التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٣ - ١ - رأي أبيسليمان الخطابي
ثمّ أخذ في بيان مذاهب اخر في بيان وجه الإعجاز، قال: وذهب قوم إلى أنّ العلّة في إعجازه الصّرفة، أي صرف الهمم عن المعارضة، وإن كانت مقدورا عليها، غير معجوز عنها، إلّا أنّ العائق من حيث كان أمرا خارجا عن مجاري العادات، صار كسائر المعجزات ... قال: وهذا أيضا وجه قريب، إلّا أنّ دلالة الآية تشهد بخلافه، قال سبحانه:
(قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً»[١] فأشار في ذلك إلى أمر طريقه التكلّف والاجتهاد، وسبيله التأهّب والاحتشاد. والمعنى في الصّرفة التي وصفوها لا يلائم هذه الصفة، فدلّ على أنّ المراد غيرها، واللّه أعلم.
*** قال: وزعمت طائفة أنّ إعجازه إنّما هو فيما يتضمّنه من الأخبار عن الكوائن في مستقبل الزمان، نحو قوله سبحانه: «وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ»[٢] وكقوله سبحانه: «قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ»[٣] ونحوهما من الأخبار الّتي صدقت أقوالها مواقع أكوانها .. قلت: ولا يشكّ في أنّ هذا وما أشبهه من أخباره نوع من انواع إعجازه، ولكنّه ليس بالأمر العامّ الموجود في كلّ سورة من سور القرآن، وقد جعل سبحانه في صفة كلّ سورة أن تكون معجزة بنفسها، لا يقدر أحد من الخلق أن يأتي بمثلها، فقال: «فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ».[٤] من غير تعيين، فدلّ على أنّ المعنى فيه غير ماذهبوا إليه.
وزعم آخرون أنّ إعجازه من جهة البلاغة، وهم الأكثرون من علماء أهل النظر، وفي كيفيّتها يعرض لهم الإشكال، ويصعب عليهم منه الانفصال. ووجدت عامّة أهل هذه المقالة قد جروا في تسليم هذه الصفة القرآن على نوع من التقليد، وضرب من غلبة الظنّ دون التحقيق له وإحاطة العلم به. ولذلك صاروا إذا سئلوا عن تحديد هذه البلاغة التي
[١] - الإسراء ٨٨: ١٧.
[٢] - الروم ٣: ٣٠- ٤.
[٣] - الفتح ١٦: ٤٨.
[٤] - البقرة ٢٣: ٢.