التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٨ - جذبات وجذوات
جذبات وجذوات[١]
«اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَ قُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ».[٢]
نعم هو أحسن حديث سمعته العرب بل البشرية جمعاء، كتابا متشابها، لايختلف اسلوبه في التعبير والأداء، في أبدع لفظ وأفخم معنى، في روعة وأناقة وإكبار، لايختلف أوّله عن آخره ولا أطرافه عن وسطه.
مثاني، تتكرّر قراءته من غير ملل ولا كسل، بل هو المسك ما كرّرته يتضوّع.
إنّها الأنفس البشريّة تهتزّ وجدا عند استماعه، وتطرب خفّة عند تلاوته، إنّها جذبة روحيّة تنجذب النفس انجذابا من داخلها حيث جذوات الروح الملتهبة وليس وَهْما أو خيالًا شعريا في تيه الهيام.
«إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ».[٣]
وعدّ القاضي عياض ذلك من دلائل إعجاز القرآن، قال:
«ومنها- من وجوه الإعجاز-: الروعة التي تلحق قلوب سامعيه وأسماعهم عند سماعه، والهيبة التي تعتريهم عند تلاوته، لقوّة حاله وإناقة خطره، وهي على المكذّبين به أعظم، حتّى كانوا يستثقلون سماعه ويزيدهم نفورا، ويودّون انقطاعه، لكراهتهم له. وأمّا المؤمن فلا تزال روعته به وهيبته إيّاه مع تلاوته، توليه انجذابا، وتُكسبه هشاشة لميل قلبه إليه وتصديقه به.
ويدلّ على أنّ هذا شيء خصّ به أنّه يعتري من لايفهم معانيه ولايعلم تفاسيره. كما روي عن نصرانيّ أنّه مرّ بقارئ، فوقف يبكي! فقيل له: ممّ بكيت؟ قال: للشجا و النظم.
وهذه الروعة قد اعترت جماعة قبل الإسلام وبعده، فمنهم من أسلم لها لأوّل وهلة
[١] - من تلك الجذوة التي جذبت موسى عليه عليه السلام نحو الشجرة« فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ» القصص ٣٠: ٢٨.
[٢] - الزمر ٢٣: ٣٩.
[٣] - ق ٣٧: ٥٠.