التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٣ - ٩ - كلام القطب الراوندي
بالفصاحة، وكانت لهم مجامع يعرضون فيها شعرهم، وحضر زمانه من يعدّ في الطبقة الأُولى كالأعشى ولبيد وطرفة، وزمانه أوسط الأزمنة في استعمال المستأنس من كلام العرب، دون الغريب الوحشي الثقيل على اللسان، فصحّ أنّهم كانوا الغاية في الفصاحة.
وإنّما قلنا: اشتدّت دواعيهم إلى الإتيان بمثله، فإنّه تحدّاهم ثمّ قرّعهم بالعجز عنه بقوله تعالى: «قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً»[١] وقوله تعالى: «فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ لَنْ تَفْعَلُوا».[٢]
فإن قيل: لعلّ صارفهم هو قلّة احتفالهم به أو بالقرآن، لانحطاطه في البلاغة! قلنا لاشبهة أنّه صلى الله عليه و آله كان من أوسطهم في النسب، وفي الخصال المحمودة حتّى سمّوه الأمين الصدوق، وكيف لايحتفلون به وهم كانوا يستعظمون القرآن حتّى شهروه بالسحر ومنعوا الناس من استماعه، لئلّا يأخذ بمجامع قلوب السامعين، فكيف يرغبون عن معارضته![٣]
*** وأمّا وجه إعجاز القرآن فقد اختلف المتكلّمون في جهة إعجازه على سبعة أوجه:
فأوّل ما ذكر من تلك الوجوه: ما اختاره المرتضى، وهو أنّ وجه الإعجاز في القرآن أنّ اللّه صرف العرب عن معارضته، وسلبهم العلم بكيفيّة نظمه وفصاحته، وقد كانوا لولا هذا الصرف قادرين على المعارضة متمكّنين منها.
والثاني: ما ذهب إليه الشيخ المفيد[٤] وهو أنّه إنّما كان معجزا من حيث اختصّ برتبة في الفصاحة خارقة للعادة. قال: لأنّ مراتب الفصاحة إنّما تتفاوت بحسب العلوم التي يفعلها اللّه في العباد، فلايمتنع أن يجري اللّه العادة بقدر من العلوم فيقع التمكين بها من مراتب في الفصاحة محصورة متناهية، ويكون مازاد على ذلك زيادة غير معتادة، معجزا خارقا للعادة.
[١] - الإسراء ٨٨: ١٧.
[٢] - البقرة ٢٤: ٢.
[٣] - بحار الأنوار، ج ٨٩، ص ١٢١- ١٢٥.
[٤] - لعلّه في غير كتابه أوائل المقالات فقد ذهب فيه مذهب النظّام كما يأتي.