التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٤ - ٥ - رأي الراغب الإصفهاني
الحاصل من ممارسة علمَي الفصاحة والبلاغة وطول خدمتهما لاغير. فقد جعل للبلاغة طرفين، أعلى وأسفل وبينهما مراتب لا تحصى. والدرجة السفلى هي التي إذا هبط الكلام عنها شيئا التحق بأصوات الحيوانات، ثمّ تتزايد درجة درجة متصاعدة، حتى تبلغ قمّتها وهو حدّ الإعجاز، وهو الطرف الأعلى وما يقرب منه ... فقد جعل من الدرجة القصوى وما يقرب منها كليهما من حدّ الإعجاز.
ثمّ قال بشأن الإعجاز: واعلم أنّ شأن الإعجاز عجيب، يدرك ولا يمكن وصفه، كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكن وصفها، وكالملاحة. ومدرك الإعجاز- عندي- هو الذوق ليس إلّا، وطريق اكتساب الذوق طول خدمة هذين العِلمين (المعاني والبيان) ...
ثمّ أخذ في تحديد البلاغة وإماطة اللثام عن وجوهها المحتجبة، وكذا الفصاحة بقسميها اللفظيّ والمعنويّ، وضرب لذلك مثلًا بآية «وَ قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ...»[١] وبيان جهاتها الأربع من جهتي المعاني والبيان، وهما مرجعا البلاغة، ومن جهتي الفصاحة المعنويّة واللفظيّة وأسهب في الكلام عن ذلك، وقال- أخيرا-: وللّه درّ التنزيل، لا يتأمّل العالم آية من آياته، إلّا أدرك لطائف لاتسع الحصر.[٢]
وغرضه من ذلك: أنّ لحدّ الإعجاز ذروة لايبلغها الوصف، ولكن يمكن فهمها إدراك سنامها، بسبب الإحاطة بأسرار هذين العلمين، فهي حقيقة تدرك ولا توصف.
٥- رأي الراغب الإصفهاني
لأبي القاسم الحسين بنمحمد المعروف بالراغب الإصفهاني (ت ٥٠٢) صاحب كتاب «المفردات» رأي في إعجاز القرآن يخصّه، أنّه يرى من الإعجاز قائما بسبكه الخاصّ ونظمه البديع الذي لم يألفه العرب لحدّ ذاك، فلا هو نثر كنثرهم المعهود، لأنّ فيه الوزن والقافية وأجراس النغم. ولا هو شعر كشعرهم، لأنّه لم يجر مجرى سائر أشعار العرب ولا على أوزانها المعروفة وإن كانت له خاصّية الشعر، من التأثير في النفس بلحنه
[١] - هود ٤٤: ١١، وسنذكرها في ج ٥.
[٢] - مفتاح العلوم، ص ١٩٦- ١٩٩.