التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٣٢ - ٢ - سجاح بنت الحارث التميمية
منه نسمة تسعى بين صفاق وحشى ... وقوله: الفيل وما أدراك ماالفيل ... وقوله: والعاجنات عجنا، والخابزات خبزا، واللاقمات لقما، إهالةً وسمنا، إنّ قريشا قوم يعتدون ... إلى غير ذلك ممّا يأنف الصبيان أن يتلفّظوا بها إلّا على وجه السخريّة والاستهزاء.
وذكروا أنّ عمرو بن العاص وفد على مسيلمة وكان صديقا له في الجاهليّة، وكان عمرو لم يُسلم بعدُ. فقال له مسيلمة: ويحك يا عمرو، ماذا انزل على صاحبكم- يعني رسول اللّه صلى الله عليه و آله في هذه المدّة؟ فقال: لقد سمعت أصحابه يقرأون سورة عظيمة قصيرة! فقال: وما هي؟ فقال: «وَ الْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ ...»[١] إلى آخر السورة. ففكّر مسيلمة هُنيئةً ثُمّ قال: وأنا قد انزل عليّ مثله. فقال عمرو: وما هو؟ فقال: «يا وَبْرُ، يا وَبْرُ، إنّما أنت أُذنان وصَدْر، سائرك حُفَر ونُقَر!». كيفترى يا عمرو؟! فقال له عمرو: واللّه إنّك لتعلم أنّي أعلم أنّك تكذب.
قال ابن كثير: وقد رأيت أبابكر الخرائطي أسند في كتابه المعروف بمساوئ الأخلاق في الجزء الثاني منه شيئا من هذا أو قريبا منه.
والوَبْر: دويبة تُشبه الهرّ أعظم شيء فيه اذناه وصدره وباقيه دميم. فأراد مسيلمة أن يركّب من هذا الهذيان ما يعارض به القرآن، فلم يَرُج ذلك على عابدي الأوثان في ذلك الزمان.[٢]
٢- سجاح بنت الحارث التميميّة
كانت في بني تغلب (وهم أخوالها) راسخة في النصرانيّة، وكانت تعلّمت منهم بعضا من شؤون الدين، فتنبّأت فيهم بعد وفاة رسول اللّه صلى الله عليه و آله فاستجاب لها الهذيل وتركت التنصّر، ومالأها جماعة من رؤساء القبائل، وكانت تقول لهم: إنّما أنا امرأة من بني يربوع
[١] - سورة العصر ١٠٣.
[٢] - راجع: تفسير ابن كثير، ذيل الآية: ١٧ من سورة يونس. وتفسير سورة العصر. وذيل الآية: ٢٣ من سورة البقرة.( ج ٤، ص ٤١٠ وج ٢، ص ٥٤٧ و ج ١، ص ٦٢).