التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧٦ - كلمة مصطفى صادق الرافعي
الصرفة دون قدره، بل دون علمه، بل دون لسانه ...
... وهو عندنا رأي لو قال به صبية المكاتب وكانوا هم الذين افتتحوه وابتدعوه، لكان ذلك مذهبا من تخاليطهم في بعض ما يحاولونه إذا عمدوا إلى القول فيما لايعرفون ليوهموا أنّهم قد عرفوا!
وإلّا فإنّ من سلب القدرة على شيء بانصراف وهمه عنه، وهو بعد قادر عليه مقرن له، لايكون تعجيزه بذلك في البرهان إلّا كعجزه هو عن البرهان، إذ كان لم يعجزه عدم القدرة. ولكن أعجزه القدر وهو لايغالب والمرء ينسى ويذكر، وقد يتراجع طبعه فترة لاعجزا، وقد يعتريه السأم ويتخوّنه الملال، فينصرف عن الشيء وهُو لَهُ مطيق، وذلك ليس أحقّ بأن يسمّى عجزا من أن يسمّى تهاونا، ولا هو أدخل فيما يحمل عليه الضعف منه فيما يحمل عليه فضل ثقة.
وعلى الجملة فإنّ القول بالصرفة لايختلف عن قول العرب فيه: «إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ»[١] وهذا زعم ردّه اللّه على أهله وأكذبهم فيه وجعل القول به ضربا من العمى «أَ فَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ»[٢] فاعتبر ذلك بعضه ببعضه فهو كالشيء الواحد ...[٣]
وفي الختام لابأس أن نعرف أنّ الشيخ العماري (مبعوث الأزهر في السودان) حَسِبَ من كلمات أمثال الرافعي والشهرستاني وكاشف الغطاء، وحتى المتقدّمين كصاحب الطراز والتفتازاني والجرجاني وأضرابهم ... خطاباتٍ لاتفي دليلًا، فحاول ترجيح قولة ابنحزم لكثرة دلائله (التي سردها في الفِصَل ونقلها العماري في مجلّة الأزهر)[٤] ... قلت: يالها من رزيّة، إذ أصبحت سفاسف الأوهام دلائل، وأمّا شواهد العقول فرذائل!! ولا سيّما ما أسهبه ابنحزم، لم نجد فيها ما يروي الغليل أو يشفي العليل ... فإن كان القوم لايملكون دليلًا- على مازعمه العماري- فإنّ خصومهم أفلس ودلائلهم أضمر ... بلا كلام.
[١] - المدّثّر ٢٤: ٧٤.
[٢] - الطور ١٥: ٥٢.
[٣] - إعجاز القرآن، ص ١٤٤- ١٤٦.
[٤] - راجع: رسالة الإسلام لسنتها الرابعة: العدد الأوّل، ص ٥٩- ٧٢.