التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٥ - ٥ - رأي الراغب الإصفهاني
الشعريّ النغميّ الغريب.
قال- بعد كلام له في وصف إعجاز القرآن قدّمناه آنفا-:
وهذه الجملة المذكورة، وإن كانت دالّة على كون القرآن معجزا، فليس بمقنع إلّا بتبيين فصلين:
أحدهما: أن يبيّن ما الذي هو معجز: اللفظ أم المعنى أم النظم؟ أم ثلاثتها؟ فإنّ كلّ كلام منظوم مشتمل على هذه الثلاثة.
والثاني: أنّ المعجز: هو ما كان نوعه غير داخل تحت الإمكان، كإحياء الموتى وإبداع الأجسام.
فأمّا ما كان نوعه مقدورا، فمحلّه محلّ الأفضل وما كان من باب الأفضل في النوع فإنّه لايحسم نسبة مادونه إليه. وإن تباعدت النسبية حتّى صارت جزءً من ألف، فإنّ النجّار الحاذق وإن لم يبلغ شأوه لايكون معجزا إذا استطاع غيره جنسَ فِعْلِه، فنقول وباللّه التوفيق:
إنّ الإعجاز في القرآن على وجهين: أحدهما: إعجاز متعلّق بفصاحته، والثاني:
بصرف الناس عن معارضته.
فأمّا الإعجاز المتعلّق بالفصاحة، فليس يتعلّق ذلك بعنصره الذي هو اللفظ والمعنى، وذاك أنّ ألفاظه ألفاظهم، ولذلك قال تعالى: «قُرْآناً عَرَبِيًّا»[١] وقال: «الم ذلِكَ الْكِتابُ»[٢] تنبيها أنّ هذا الكتاب مركّب من هذه الحروف التي هي مادّة الكلام.
ولا يتعلّق أيضا بمعانيه، فإنّ كثيرا منها موجود في «الكتب المتقدّمة» ولذلك قال تعالى: «وَ إِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ»[٣] وقال: «أَ وَ لَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى».[٤] وما هو معجز فيه من جهة المعنى، كالإخبار بالغيب، فإعجازه ليس يرجع إلى القرآن بما هو قرآن، بل هو لكونه خبرا بالغيب، وذلك سواء كونه بهذا النظم أو بغيره، وسواء كان موردا
[١] - يوسف ٢: ١٢.
[٢] - البقرة ١: ٢- ٢.
[٣] - الشعراء ١٩٦: ٢٦.
[٤] - طه ١٣٣: ٢٠.