التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٤ - التحدي بفضيلة الكلام
يتنافس فيه الأُدباء، ويتماثلون أو يتقاربون، لا شيء سواه.
وقد أشار السكّاكي إلى طرف من تلك المقاييس التي هي المعيار لارتفاع شأن الكلام وانحطاطه، قال- بعد أن ذكر أنّ مقامات الكلام متفاوتة، ولكلّ كلمة مع صاحبتها مقام، ولكلّ حدّ ينتهي إليه الكلام مقام-: وارتفاع شأن الكلام في باب الحسن والقبول وانحطاطه في ذلك، بحسب مصادفة الكلام لما يليق به.
قال: فحسن الكلام تحلّيه بشيء من هذه المناسبات والاعتبارات بحسب المقتضى، ضعفا وقوّة على وجه من الوجوه (التّي يفصّلها في فنّي المعاني والبيان).
ويقول:- بعد ذلك-: وإذ قد تقرّر أنّ مدار حسن الكلام وقبحه على انطباق تركيبه على مقتضى الحال والاعتبار المناسب، وعلى لا انطباقه، وجب عليك- أيّها الحريص على ازدياد فضلك، المنتصب لاقتداح زناد عقلك، المتفحّص عن تفاصيل المزايا التي بها يقع التفاضل، وينعقد بين البلغاء في شأنها التسابق والتناضل- أن ترجع إلى فكرك الصائب، وذهنك الثاقب، وخاطرك اليقظان، وانتباهك العجيب الشأن، ناظرا بنور عقلك، وعين بصيرتك، في التصفّح لمقتضيات الأحوال، في إيراد المسند إليه على كيفيّات مختلفة، وصور متنافية، حتّى يتأتّى بروزه عندك لكلّ منزلة في معرضها، فهو الرهان الذي يجرّب به الجياد، والنضال الذي يعرف به الأيدي الشداد فتعرف أيّما حال يقتضي كذا ...
وأيّما حال يقتضي خلافه ... الخ.[١]
وعليه فتزداد قوّة الكلام وصلابته وكذا روعة البيان وصولته، كلّما ازدادت العناية بجوانبه اللفظية والمعنويّة من الاعتبارات المناسبة، ورعاية مقتضيات الأحوال والأوضاع، وملاحظة مستدعيات المقامات المتفاوتة، على ما فصّله القوم. وقلّ من يتوفّق لذلك بالنحو الأتمّ أو الأفضل، بل الأكثر، مادام الإنسان حليف النسيان. أمّا بلوغ الأقصى والكمال الأوفى، الذي حدّ الإعجاز، فهو خاصّ بذي الجلال المحيط بكلّ الأحوال.
[١] - مفتاح العلوم، ص ٨٠- ٨١ و ٨٤.