التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢ - التحدي في شموله
فحسب، ليكون مقصورا على العهد الأوّل، حيث العرب في ازدهار الفصاحة والأدب.
على أنّ الفصاحة والبلاغة لم تختصّ بلغة دون اخرى ولا بأُمّة دون غيرها.
لكن هناك من حاول اختصاص التحدّي بالعهد الأوّل وإن كان الإعجاز باقيا مع الخلود زعما بأنّ عجز ذلك الدور يكفي دليلًا على كونه معجزا أبدا. هكذا زعمت الكاتبة بنت الشاطىء، قالت: مناط التحدّي هو عجز بلغاء العرب في عصر المبعث، وأمّا حجة إعجازه فلا تخصّ عصرا دون عصر وتعمّ العرب والعجم، وكان عجز البلغاء من العصر الأوّل وهم أصل الفصاحة برهانا فاصلًا في قضية التحدّي ...[١]
قلت: ولعلّها في ذهابها هذا المذهب، خشيت أن لوقلنا بأنّ التحدّي قائم ولايزال، أن سوف ينبري نائرة الكفر والإلحاد، ممّن لا يقلّ عددهم في الناطقين بالضاد، فيأتي بحديث مثله، وبذلك ينقض أكبر دعامة من دعائم الإسلام!
لكنّها فلتطمئنّ أنّ هذا لن يقع ولن يكون، لأنّ القرآن وُضع على أُسلوب لايدانيه كلام بشر البتة، ولن يتمكّن أحد أن يجاريه لا تعبيرا وأداءً ولا سبكا واسلوبا، مادام الإعجاز قائما بمجموعة اللفظ والمعنى، رفعة وشموخ في المحتوى، وجمال وبهاء في اللفظ والتعبير، فأيّ متكلّم أو ناطق يمكنه الإتيان بهكذا مطالب رفيعة، لم تسبق لها سابقة في البشريّة وفي هكذا قالب جميل! اللهمّ إلّا أن يفضح نفسه.
وفي التأريخ عِبَرٌ تؤثر عن اناس حاولوا معارضة القرآن، لكنّهم أتوا بكلام لا يشبه القرآن ولا يشبه كلام أنفسهم، بل نزلوا إلى ضرب من السخف والتفاهة، بادٍ عواره، باقٍ عاره وشناره، فمن حدّثته نفسه أن يعيد هذه التجربة، فلينظر في تلك العبر، ومن لم يستحِ فليصنع ما شاء.
وتلك شهادات من أهل صناعة الأدب، اعترفوا- عبر العصور- بأنّ القرآن فذّ في اسلوبه لا يمكن لأحد من الناس أن يقاربه فضلًا عن أن يماثله.
قال الدكتور عبداللّه درّاز: من كانت عنده شبهة، زاعما أنّ في النّاس من يقدر على
[١] - الإعجاز البياني، ص ٦٥- ٦٧.