التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٥ - ٧ - كلام القاضي عبدالجبار
فإن قيل: إنّما تركوا المعارضة، لاشتمال القرآن على قصص كانوا يجهلون أمثالها.
قيل له: القرآن مشتمل على كثير من أنواع الكلام، فلو كانت المعارضة ممكنة لهم لأتوا بسائر أنواع الكلام وجعلوها معارضة للقرآن. على أنّه كان بإمكانهم أن يصنعوا من عندهم قصصا ويكسونها من العبارات الجيّدة العظيمة أجزلة ما يقارب القرآن في الفصاحة ويدانيه فيلتبس الحال فيه.
وأيضا فإنّ القرآن قد تحدّى اليهود أيضا، وفيهم العلماء بالأخبار والعارفون بالأقاصيص كما أنّ العرب كانوا قد بعثوا إلى الفرس يطلبون منهم القصص، نحو قصّة رستم واسفنديار، وجمعوا من ذلك شيئا كثيرا لكنّهم عجزوا في النهاية أن يجعلوه معارضة للقرآن.
فإن قيل: عجز العرب عن معارضته، لعلّه كان من جهة أنّ القرآن كان من كلام محمد صلى الله عليه و آله وكان متقدّما في الفصاحة على جميع العرب، ولهذا قال: «أنا أفصح العرب».
قيل له: ليس الأمر على ما ظننت، فإنّه يستحيل فيمن نشأ بين جماعة يتعاطون البلاغة ويتباهون بالفصاحة، أن يتعلّمها ويأخذها منهم، ثمّ يبلغ فيها حدّا لايوجد في كلام واحد منهم، بل في كلام جماعتهم، فصل يساوي كلامه في الفصاحة أو يدانيه أو يقرب منه أو يشتبه الحال فيه!
فإن قيل: هب أنّ القرآن معجزة، وأنّ العرب علموا إعجازه، لعلمهم بأنّه قد تناهى في الفصاحة حدّا. وأنتم فبأيّ طريق علمتم معنا فيه، يا معشر العجم!
قلنا: إنّ العلم بذلك على وجهين: أحدهما علم تفصيل، والآخر علم جملة، والعرب علموا ذلك على سبيل التفصيل، ونحن فقد علمناه على سبيل الجملة. وطريقته: هو أنّ محمّدا صلى الله عليه و آله تحدّى العرب بمعارضته، فلم يمكنهم الإتيان بمثله فلولا كونه معجزا دالًاّ على نبوّته، وإلّا لما كان ذلك كذلك.[١]
[١] - شرح الأُصول الخمسة، للقاضي عبدالجبار، ص ٥٨٦- ٥٩٤.