التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٣ - ٤ - رأي السكاكي
ولا بعشر سوَر منه ولا بسورة واحدة، ولو جهدتم جهدكم واجتمع معكم الجنّ والإنس.
ثمّ لا تدعوهم نفوسهم إلى أن يعارضوه ويبيّنوا سرفه في دعواه، لو كان ممكنا لهم، وقد بلغ بهم الغيظ من مقالته حدّا تركوا معه أحلامهم وخرجوا عن طاعة عقولهم، حتى واجهوه بكلّ قبيح ولقوه بكلّ أذىً ومكروه ووقفوا له بكلّ طريق. وهل سمع قطّ بذي عقل استطاع أن يخرس خصمه بكلمة يجيبه بها، فيترك ذلك إلى امور ينسب معها إلى ضيق الذرع وأنّه مغلوب قد أعوَزته الحيلة وعزّ عليه المخلص، وهل مثل هذا إلّا مثل رجل عرض له خصم فادّعى عليه دعوى خطيرة وأقام على دعواه بيّنة، وكان عند المدّعى عليه ما يبطل تلك البيّنة أو يعارضها، فيترك إظهار ذلك ويضرب عنه الصفح جملة، ليصير الحال بينهما إلى جدال عنيف وإخطار بالمهج والنفوس ... قال: هذه شهادة الأحوال، وأما شهادة الأقوال فكثيرة ...[١]
ثمّ قال- في وجه التحدّي-: لم يكن التحدّي إلى أن يعبّروا عن معاني القرآن أنفسها وبأعيانها بلفظ يشبه لفظه ونظم يوازي نظمه، هذا تقدير باطل. فإنّ التحدّي كان إلى أن يجيؤوا، في أيّ معنى شاؤوا من المعاني، بنظم يبلغ نظم القرآن، في الشرف أو يقرب منه.
يدلّ على ذلك قوله تعالى: «قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ»[٢] أي مثله في النظم، وليكن المعنى مفترىً لما قلتم. فلا إلى المعنى دعيتم، ولكن إلى النظم ...[٣]
قال: ويجزم القول بأنّهم تحدّوا إلى أن يجيؤوا في أيّ معنى أرادوا مطلقا غير مقيّد، وموسّعا عليهم غير مضيّق، بما يشبه نظم القرآن أن يقرب من ذلك.[٤]
٤- رأي السكاكي
يرى أبويعقوب، يوسف بنمحمد بنعلي السكاكي، صاحب مفتاح العلوم، (ت ٥٦٧) أنّ الإعجاز في القرآن أمر يمكن دركه ولا يمكن وصفه، والمدرك هو الذوق،
[١] - الشافية، ص ١٢٠- ١٢٢.
[٢] - هود ١٣: ١١.
[٣] - الشافية، ص ١٤١.
[٤] - المصدر، ص ١٤٤.