التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٧ - ٨ - كلام الشيخ الطوسي
وإذا ثبت أنّهم لم يعارضوه، فإنّما لم يعارضوه للعجز، لأنّ كلّ فعل لم يقع مع توفّر الدواعي لفاعله وشدّة تداعيه عليه، قطعنا على أنّه لم يفعل للتعذّر. وقد توفّرت دواعي العرب إلى معارضته فلم يفعلوها، وقد تكلّفوا المشاقّ من أجله، فقد بذلوا النفوس والأموال وركبوا الحروب العظام ودخلوا الفتن، طلبا لإبطال أمره، فلو كانت المعارضة ممكنة لهم لما اختاروا الصعب على السهل، لأنّ العاقل لايترك الطريق السهل، ويسلك الطريق الوعر الذي لايبلغ معه الغرض، إلّا أن يختلّ عقله أو يسفه رأيه، والقوم لم يكونوا بهذه الصفة.
وليس لأحد أن يقول: إنّهم اعتقدوا أنّ الحرب أنجح من المعارضة فلذلك عدلوا إليها.
وذلك أنّ النبي صلى الله عليه و آله لم يدّع النبوّة فيهم بالغلبة والقهر، وإنّما ادّعى معارضة مثل القرآن، ولم يكن احتمال حرب إذ ذاك. ثمّ مع قيام الحرب كانوا في الأغلب مغلوبين مقهورين، فكان يجب أن يقوموا بالمعارضة، فإن انجعت وإلّا عدلوا إلى الحرب.
فإن قالوا: خافوا أن يلتبس الأمر فيظنّ قوم أنّه ليس مثله. قيل: قد حصل المطلوب، لأنّ الاختلاف حينذاك يوجب الشبهة، فكان أولى من الترك الذي يقوى معه شبهة العجز.
وليس لهم أن يقولوا: لم تتوفّر دواعيهم إلى ذلك. لأنّهم تحمّلوا المشاق، والعاقل لايتكلّف ذلك إذا لم تتوفّر دواعيه إلى إبطال دعوى خصمه.
فإن قالوا: إنّما لم يعارضوه، لأنّ في كلامهم ما هو مثله أو مقاربه. قلنا: هذا غير مسلّم.
وعلى فرض التسليم فإن التحدّي وقع لعجزهم فيما يأتي، فلوكان في كلامهم مثله فهو أبلغ لعجزهم في تحقّق التحدّي بالعجز عن الإتيان بمثله في المستقبل.
فإن قيل: واطأه قوم من الفصحاء. قيل: هذا باطل، لأنّه كان ينبغي أن يعارضه من لم يواطئه، فإنّهم وإن كانوا أدون منهم في الفصاحة، كانوا يقدرون على ما يقاربه- على الفرض- لأنّ التفاوت بين الفصحاء لاينتهي إلى حدّ يخرق العادة. على أنّ الفصحاء المعروفين والبلغاء المشهورين في وقته، كلّهم كانوا منحرفين عنه، كالأعشى الكبير الذي في الطبقة الأُولى ومن أشبهه مات على كفره، وكعب بنزهير، أسلم في آخر الأمر، وهو