التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٩ - ٨ - كلام الشيخ الطوسي
وقال قوم: كان معجزا لما فيه من العلم بالغائبات.
وقال آخرون: كان معجزا لارتفاع الخلاف والتناقض فيه، مع جريان العادة بأنّه لايخلو كلام طويل من ذلك.
وأقوى الأقوال عندي قول من قال: إنّما كان معجزا خارقا للعادة لاختصاصه بالفصاحة المفرطة في هذا النظم المخصوص، دون الفصاحة بانفرادها، ودون النظم بانفراده، ودون الصرفة.
وإن كنت نصرت في شرح الجمل[١] القول بالصرفة، على ما كان يذهب إليه المرتضى رحمه الله من حيث شرحت كتابه، فلم يحسن خلاف مذهبه.
قال: والذي يدلّ على ماقلناه واخترناه: أنّ التحدّي معروف بين العرب بعضهم بعضا، ويعتبرون في التحدّي معارضة الكلام بمثله في نظمه ووصفه، لأنّهم لايعارضون الخطب بالشعر ولا الشعر بالخطب، والشعر لايعارضه أيضا إلّا بما كان يوافقه في الوزن والرويّ والقافية، فلا يعارضون الطويل بالرجز، ولا الرجز بالكامل، ولا السريع بالمتقارب، وإنّما يعارضون جميع أوصافه.
فإذا كان كذلك، فقد ثبت أنَّ القرآن جمع الفصاحة المفرطة والنظم الذي ليس في كلام العرب مثله، فإذا عجزوا عن معارضته، فيجب أن يكون الاعتبار بهما.
فأمّا الذي يدلّ على اختصاصها بالفصاحة المفرطة، فهو أنّ كلّ عاقل عرف شيئا من الفصاحة يعلم ذلك، وإنّما في القرآن من الفصاحة مايزيد على كلّ فصيح، وكيف لايكون كذلك وقد وجدنا الطبقة الأوّلة قد شهدوا بذلك وطربوا له، كالوليد بنالمغيرة والأعشى الكبير وكعب بنزهير ولبيد بنربيعة والنابغة الجعدي، ودخل كثير منهم في الإسلام ككعب والنابغة ولبيد، وهمّ الأعشى بالدخول في الإسلام فمنعه من ذلك أبوجهل وفزّعه، وقال: إنّه يحرّم عليك الأطيبين الزنا والخمر. فقال له: أمّا الزنا فلا حاجة لي فيه، لأنّي
[١] - في كتابه تمهيد الأُصول شرحا على القسم النظريّ من جمل العلم والعمل، وقد طبع أخيرا( ١٣٦٢ ه. ش) في جامعة طهران، وسننقل كلامه عند التعرّض للقول بالصرفة.