التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٩ - مناقشة القول بالصرفة
قادرين على تراكيب أكبر وجمل أطول.
وأيضا فإنّ الصحابة الأوّلين ربّما تردّدوا في آية أنّها من القرآن؟ وكذا بعض السور القصار كالمعوّذتين، رفض ابنمسعود كونهما منه! فلو كان النظم والبلاغة هما الكافيين للشهادة على القرآنية، فما وجه هذا التوقّف وذلك الترديد أو الرفض؟![١]
وأخيرا قوله تعالى: «سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ»[٢] أي أصرفهم عن إبطالها بالمعارضة. هكذا زعموا.
وقد تقدّم الكلام عليها عند توجيه مذهب السيّد في الصرفة.
مناقشة القول بالصرفة
تلك دلائل استند إليها أصحاب القول بالصرفة في ظاهر الأمر. لكنّا نعتقد أنّ السبب الداعي لاختيارهم هذا الرأي أمر آخر وراء هذا الظاهر المريب. إذ ليس فيما استمسكوا به مايبعث على هذا الاختيار، ولا سيّما وأصحاب هذا القول هم جهابذة أقحاح وأئمّة نقد وتمحيص، ليسوا أهل تعسّف فيالرأي أو وهن في العقيدة والاختيار! ومن ثمّ فإنّها دلائل ظاهريّة ومعاذير شكليّة كان خلفها شيء آخر لعلّه رصين، لأمر ما جدع قصير أنفه!
نعتقد أنّهم واجهوا اولئك الذين قصروا وجه الإعجاز في جانب لفظ القرآن وحروفه وجودة سبكه واسلوبه. وهو جانب جدّ خطير، يعلو به شأن الكلام ويرتفع قدره. إلّا أنّه ليس بمثابة بحيث يخرجه عن حدّ المعتاد غير الممكن على فصحاء الكلام وبلغاء البيان.
ففي كلام العرب وغيرهم من امم ذات لغة راقية مقطعات رائعة، من بديع النظم ورفيع النثر ممّا يبهر ويعجب!
ونرافقهم في هذا الشأن، غير أنّ جهة الإعجاز البياني للقرآن- على ما سنذكر- لا تنحصر في جودة سبكه وروعة نظمه، والوفير من بدائع المحسّنات اللفظية. إنّ هذا كلّه إنّما هو جزء سبب لروعة القرآن الباهرة. وإنّ وراءه سببا آخر أقوى هو كامن وراء هذا
[١] - ذكرهما التفتازاني في شرح المقاصد، ج ٥، ص ٢٨- ٢٩.
[٢] - الأعراف ١٤٦: ٧.