التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٥ - ١ - رأي أبيسليمان الخطابي
فالقسم الأوّل أعلى طبقات الكلام وأرفعه. والقسم الثاني أوسطه وأقصده. والقسم الثالث أدناه وأقربه، فحازت بلاغات القرآن من كلّ قسم من هذه الأقسام حصّةً، وأخذت من كلّ نوع من أنواعها شعبةً، فانتظم لها بامتزاج هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة وهما على الانفراد في نعوتهما كالمتضادّين، لأنّ العذوبة نتاج السهولة، والجزالة والمتانة في الكلام تعالجان نوعا من الوعورة، فكان اجتماع الأمرين في نظمه، مع نبوّ كلّ واحد منهما على الآخر فضيلة خصّ بها القرآن.
*** قال: وإنّما تعذّر على البشر الإتيان بمثله لُامور، منها: أنّ علمهم لا يحيط بجميع أسماء اللغة العربيّة وبألفاظها التي هي ظروف المعاني والحوامل لها، ولا تدرك أفهامهم جميع معاني الأشياء المحمولة على تلك الألفاظ، ولا تكمل معرفتهم لاستيفاء جميع وجوه النظوم التي بها يكون ائتلافها وارتباط بعضها ببعض، فيتوصّلوا باختيار الأفضل عن الأحسن من وجوهها، إلى أن يأتوا بكلام مثله.
.. وإنّما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلاثة: لفظ حامل، ومعنى قائم به، ورباط لهما ناظم. وإذا تأمّلت القرآن وجدت هذه الامور منه في غاية الشرف والفضيلة، حتّى لاترى شيئا من الألفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه، ولاترى نظما أحسن تأليفا وأشدّ تلاؤما وتشاكلًا من نظمه.
.. وأمّا المعاني فلا خفاء على ذي عقل، أنّها هي التي تشهد لها العقول بالتقدّم في أبوابها، والترقّي إلى أعلى درجات الفضل من نعوتها وصفاتها.
... وقد توجد هذه الفضائل الثلاث على التفرّق في أنواع الكلام، فأمّا أن توجد مجموعة في نوع منه، فلم توجد إلّا في كلام العليم القدير، الذي أحاط بكلّ شيء علما، وأحصى كلّ شيء عددا.
*** قال: فتفهّم الآن واعلم أنّ القرآن إنّما صار معجزا لأنّه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن