التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١٣ - ٢ - مصطفى محمود وحكاية الموسيقى الداخلة للقرآن * * *
الكلمة «تغشّاها» ... تغشّاها رجلها ... أن يمتزج الذكر والأُنثى كما يمتزج ظلّان وكما يغشى الليل النهار وكما تذوب الألوان بعضها في بعض، هذا اللفظ العجيب الذي يعبّر به القرآن عن التداخل الكامل بين اثنين، هو ذروةٌ في التعبير.
وألفاظ اخرى تقرؤها في القرآن فتترك في السمع رنينا وأصداءً وصورا حينما يقسم اللّه بالليل والنهار فيقول: «وَ اللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ. وَ الصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ»[١] ... هذه الحروف الأربعة «عسعس» هي الليل مصوّرا بكلّ مافيه. «وَ الصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ» أنّ ضوء الفجر هنا مرئي ومسموع ... أنّك تكاد تسمع زقزقة العصفور وصيحة الديك ...
فإذا كانت الآيات نذير الغضب وإعلان العقاب فإنّك تسمع الألفاظ تتفجّر ... وترى المعمار القرآني كلّه له جلجلة. اسمع ما يقول اللّه عن قوم عاد:
«وَ أَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ. سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَ ثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ».[٢] إنَّ الآيات كلّها تصرّ فيها الرياح وتسمع فيها اصطفاق الخيام وأعجاز النخل الخاوي وصورة الأرض الخراب.
والصور القرآنية كلّها تجدها مرسومة بهذه اللمسات السريعة والظلال المحكمة والألفاظ التي لها جرس وصوت وصورة.
ولهذه الأسباب مجتمعة كان القرآن كتابا لايترجم. إنّه قرآن في لغته، أمّا في اللغات الأُخرى فهو شيء آخر غير القرآن ... «إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا»[٣] وفي هذا تحديد فاصل.
وكيف يمكن أن تترجم آية مثل: «الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى».[٤] إنّنا لسنا أمام معنى فقط، وإنّما نحن بالدرجة الأُولى أمام معمار .. أمام تكوين وبناء تنبع فيه الموسيقى من داخل الكلمات، من قلبها لا من حواشيها، من خصائص اللغة العربية وأسرارها وظلالها وخوافيها ..
ولهذا انفردت الآية القرآنية بخاصّيّة عجيبة ... إنّها تحدث الخشوع في النفس بمجرّد
[١] - التكوير ١٧: ٨١- ١٨.
[٢] - الحاقة ٦: ٦٩- ٧.
[٣] - يوسف ٢: ١٢.
[٤] - طه ٥: ٢٠.