التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١٥ - ٣ - محمد عبدالله دراز ونظرته في الجمال التوقيعي والتنسيقي للقرآن * * *
منها كلّ وتر من أوتار قلبك بنصيب سواء، فلا يعروك منه على كثرة ترداده ملالة ولاسأم.
بل لا تفتأ تطلب منه المزيد.
هذا الجمال التوقيعي في لغة القرآن لايخفى على أحد ممّن يسمع القرآن، حتّى الذين لايعرفون لغة العرب، فكيف يخفى على العرب أنفسهم؟
إنّ أوّل شيء أحسّته تلك الآذان العربيّة في نظام القرآن هو ذلك النظام الصوتي البديع الذي قسّمت فيه الحركة والسكون تقسيما منوّعا يجدّد نشاط السامع لسماعه، ووزّعت في تضاعيفه حروف المدّ والغنّة توزيعا بالقسط يساعد على ترجيع الصوت به وتهادى النفس فيه آنا بعد آن، إلى أن يصل إلى الفاصلة الأُخرى فيجد عندها راحته العظمى. وهذا النحو من التنظيم الصوتي إن كانت العرب قد عمدت إلى شيء منه في أشعارها فذهبت فيها إلى حدّ الإسراف في الاستهواء ثمّ إلى حدّ الإملال في التكرير، فإنّها ماكانت تعهده قط ولا كان يتهيّأ لها بتلك السهولة في منثور كلامها سواء المرسل والمسجوع، بل كان يقع لها في أجود نثرها عيوب تغضّ من سلاسة تركيبه ولايمكن معها إجادة ترتيله إلّا بإدخال شيء عليه أو حذف شيء منه.
لاعجب إذا أن يكون أدنى الألقاب إلى القرآن- في خيال العرب- أنّه شعر، لأنّها وجدت في توقيعه هزّة لاتجد شيئا منها إلّا في الشعر. وعجب أن ترجع إلى نفسها فتقول ما هو بشعر؛ لأنّه- كما قال الوليد- ليس على أعاريض الشعر في رجزه ولا في قصيده. ثمّ لاعجب أن تجعل مردّ هذه الحيرة أخيرا إلى أنّه ضرب من السحر، لأنّه جمع بين طرفي الإطلاق والتقييد في حدّ وسط، فكان له من النثر جلاله وروعته، ومن الشعر جماله ومتعته.
أنت إذا ما اقتربت بأُذنك قليلًا، فطرقت سمعك جواهر حروفه، خارجة من مخارجها الشحيحة، فأجائك منه لذّة اخرى في نظم تلك الحروف ورصفها وترتيب أوضاعها فيما بينها: هذا ينقر وذاك يصفر، وثالث يهمس، ورابع يجهر، وآخر ينزلق عليه النفس، وآخر يحتبس عنده النفس، وهلمّ جرّا. فترى الجمال اللغوي ماثلًا أمامك في مجموعة مختلفة