التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩ - المقدمة
المقدمة
وبعد، فإنّ مسألة «الإعجاز القرآني» كانت ولا تزال تشكّل الأهمّ من مسائل أُصول العقيدة التي بُنيت عليها رواسيها ودارت عليها رحى الإسلام، فكان جديرا بمن حاول التحقيق من مباني الشريعة، والبحث عن اسسها الأُولى القويمة، أن يدرس من جوانب المسألة ويمعن النظر فيها إمعانا، بعد أن لم تكن المسألة تقليديّة ولا تغني المتابعة العمياء من غير معرفة أو علم يقين.
أمّا عرب الجاهلية الاولى فقد كانت تدرك جانب هذا الإعجاز البيانيّ، بحسّها البدائيّ المُرهَف وذوقها الفطريّ السليم في سهولة ويسر، إذ كان القرآن نزل بلغتهم وعلى أساليب كلامهم، سوى كونه في مرتبة عُليا وعلى درجة أرقى، كانوا يُدركونه فهما ولا يكاد يبلغونه في مثله أداءً وتعبيرا.
كان عصر نزول القرآن أزهى عصور البيان العربي، وقد بلغت العرب من العناية بلغتها والإشادة بمبانيها، مبلغ الكمال بما لم تبلغه في أيّ عصر من العصور.
كانت لهم أندية وأسواق[١] يجتمع إليها فصحاؤهم، خطباءً وشعراءً، يعرضون فيها
[١] - كانت على مقربة الطائف سوق تجتمع إليها العرب في الأشهر الحرم- حيث الأمان الموقّت- فينصبون خيامهم بين نخيله في مكان يسمّى بعكاظ وكانت العرب تقصدها في طريقها إلى الحجّ، فيجتمعون منه في مكان يقال له« الابتداء» وقد اتخذتها العرب سوقا بعد عام الفيل بخمس عشرة سنة، أي قبل مبعث النبي صلى الله عليه و آله بخمس وعشرين عاما سنة ٥٤٠ للميلاد وكانت وفود العرب تتوافد إليها من كلّ صوب. وزادت قريش بواعث الاجتماع إليها أنّهم جعلوها مسرحا للأدب والشعر، تتسابق فيه القبائل لإظهار نوابغها من شعراء وخطباء، فيتناشدون ويتفاخرون وكانوا يعرضون فيها نخب قصائدهم على نقدة القريض والكلام، ويكون لذلك احتفال حاشد يشهده جماهير العرب، فتشيع قصائدهم ويترنّم بها الركبان في كلّ صقع. وبقيت سوق عكاظ بعد الإسلام معرضا يتبادل فيه السلع، حتى نهبها الخوارج الحروريّة حين خرجوا بمكة مع المختار بنعوف سنة( ١٢٩).
وكانت لهم أسواق اخر تبلغ العشرة كانت تقام في فواصل معيّنة من السنة في أمكنة متعدّدة، وكانت تحت خفارات منتظمة في حمايات معيّنة، ذكر تفصيلها اليعقوبي في تاريخه، ج ١، ص ٢٣٩.
وكانت لهم أيضا مجالس يجتمعون فيها لمناشدة الأشعار ومبادلة الأخبار والبحث عن بعض شؤونهم العامة، وكانوا يسمّون تلك المجالس« الأندية» ومنها نادي قريش ودار الندوة بجوار الكعبة. وكان لكلّ بيت من بيوت الأشراف فناء بين يديه للاجتماع، ولكلّ قوم مجتمع عامّ في المضارب. على أنّهم كانوا حيثما اجتمعوا تناشدوا وتفاخروا وتبادلوا سلع الكلام وصناعات القريض والبيان. انظر: تاريخ الآداب العربية، ج ١، ص ١٩٥، وتاريخ التمدّن الإسلامي، ج ١، ص ٣٧ كلاهما لجرجي زيدان. ودائرة المعارف لفريد وجدي، ج ٦، ص ٥٣٥.