التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠ - المقدمة
أنفس بضائعهم وأجود صنائعهم، ألا وهي بضاعة الكلام وصناعة الشعر والبيان. كانوا يتبارون فيها، وينقدون ويتفاخرون، ويتنافسون فيها أشدّ التنافس
... حتى إذا ظهرت فيهم الدعوة ونزل القرآن .. فما أن تليت عليهم آياته إلّا والأسواق قد تعطّلت والأندية قد انفضّت، وقد خلت الديار إلّا من رنّة صوت القرآن. وقد زحفهم ببراعته وهزمهم بصولته، فلم يستطيعوا مباراته ولم يقدروا على مجاراته، ففضّلوا الفرار على القرار واستغشوا على رؤوسهم ثوب العار. ذلك على أنّه لم يسدّ عليهم باب المعارضة، ولم يمانعهم التنافس فيه، صارخا ومتحدّيا لهم أفرادا وجماعات: لو يأتوا بحديث مثله!
وقد عرض عليهم هذا التحدّي الصارخ في جرأة خارقة وصراحة بالغة، مكرّرا عليهم ومتهكّما بهم: أنّهم أعجز من أن تقوم قائمتهم تجاه صوت القرآن المدوّي المدهش، وقد تنازل معهم إلى الأخفّ فالأخفّ، امتهانا بشأنهم وتبيينا لموقف عجزهم وضعف مقدرتهم:
أوّلًا: «فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ».[١] ثانيا: «فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ».[٢] ثالثا: «فَأْتُوا بِسُورَةٍ
[١] - الطور ٣٤: ٥٢.
[٢] - هود ١٣: ١١. بناءً على نزول سورة هود قبل سورة يونس، كما نبّهنا مسبقا في الجزء الأول من التمهيد. إذ ليس لتسلسل ترتيب النزول دليل قاطع على المشهور، ولعلّه فيه بعض التقديم والتأخير كما هنا.