التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١ - المقدمة
مِثْلِهِ»،[١] وأخيرا أجهز عليهم بحكمه الباتّ: «فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ لَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ»[٢] فقد أنذرهم بالنار وساوى بينهم وبين الأحجار!
هذا .. ولم يكن العرب يومذاك أهل كسل وملل في الكلام والخصام، وقد تربّوا في أحصان الخصومة وكانوا أهل لدد وجدل، كما وصفهم تعالى: «وَ تُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا»،[٣] وقال: «ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ».[٤] فلوكانت فيهم قدرة على المعارضة أو لسان لم يخرسه العجز والعيّ، لما صمتوا على ذلّ العار أو سكتوا على شنار الصّغار، و قد أصاب منهم موضع عزّهم ومحلّ فخارهم، وهزمهم بذات سلاحهم، ولم تكن الهزيمة الشنعاء إلّا لأنّهم وجدوا من أنفسهم ضآلة وحقارة، تجاه عظمة القرآن وهيمنته وكبريائه، «فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَ مَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً»[٥].
هذا الوليد بنالمغيرة المخزومي- كبير قريش ورائدهم وقائدهم- استأمروه بشأن هذا الكلام الذي جاءبه نبيّ الإسلام صلى الله عليه و آله فلميستطع سوىالاعتراف بأنّه فوقمقدور البشر:
«فو اللّه ما هو بشعر ولا بسحر ولا بهذي جنون، وإنّ قوله من كلام اللّه ...»[٦] وهو القائل: «و و اللّه إنّ لقوله الذي يقول لحلاوة، وإنَّ عليه لطلاوة، وإنّه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله. وإنّه ليعلو وما يُعلى».[٧] وهذا إنذار من رأس الكفر بأنّ الغلب سوف يكون مع القرآن!
وقد حاولوا الممانعة دون صيته والحؤول دون شياعه، وقالوا: «لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَ الْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ».[٨] وكانوا يستغشون ثيابهم ويضعون أصابعهم في آذانهم
[١] - يونس ٣٨: ١٠.
[٢] - البقرة ٢٤: ٢.
[٣] - مريم ٩٧: ١٩.
[٤] - الزخرف ٥٨: ٤٣.
[٥] - الكهف ٩٧: ١٨. إنّهم حاولوا معارضته ومقابلة فصيح كلامه، غير أنّ الحظّ لم يساعدهم ولم يرافقهم التوفيق، فقد أعوزتهم الكفاءة وتقاعست عنه هممهم لمّا رأوا شموخ طوده الرفيع. قال ابنرشيق في العمدة، ج ١، ص ٢١١:« ولمّا أرادت قريش معارضة القرآن عكف فصحاؤهم الذين تعاطوا ذلك، على لباب البرّ وسلاف الخمر ولحوم الضأن والخلوة إلى أن بلغوا مجهودهم، فلمّا سمعوا قول اللّه عزّوجلّ:« وَ قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَ يا سَماءُ أَقْلِعِي، وَ غِيضَ الْماءُ، وَ قُضِيَ الْأَمْرُ، وَ اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ، وَ قِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» هود ٤٤: ١١، يئسوا ممّا طمعوا فيه، وعلموا أنّه ليس بكلام مخلوق». وراجع: مجمع البيان، ج ٥، ص ١٦٥.
[٦] - جامع البيان للطبري، ج ٢٩، ص ٩٨.
[٧] - مستدرك الحاكم، ج ٢، ص ٥٠٧.
[٨] - فصّلت ٢٦: ٤١.