التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٧ - ٥ - رأي الراغب الإصفهاني
يقال: القرآن رسالة، أو خطابة، أو شعر، كما يصحّ أن يقال: هو كلام، ومن قَرَع سمعه فصل بينه وبين سائر النظم. ولهذا قال تعالى: «وَ إِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ. لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ»[١] تنبيها أنّ تأليفه ليس على هيأة نظم يتعاطاه البشر، فيمكن أن يزاد فيه كحال الكتب الأُخر.
فإن قيل: ولم لم يبلغ بنظم القرآن الوزن الذي هو الشعر، وقد علم أنّ للموزون من الكلام مرتبة أعلى من مرتبة المنظوم غير الموزون، إذ كلّ موزون منظوم وليس كلّ منظوم موزونا؟
قيل: إنّما جنّب القرآن نظم الشعر ووزنه لخاصّيّة في الشعر منافية للحكمة الإلهيّة، فإنّ القرآن هو مقرّ الصدق، ومعدن الحقّ. وقصوى الشاعر: تصوير الباطل في صورة الحقّ، وتجاوز الحدّ في المدح والذمّ دون استعمال الحقّ في تحرّي الصدق، حتى إنّ الشاعر لايقول الصدق ولايتحرّى الحقّ إلّا بالعرض. ولهذا يقال: من كانت قوّته الخيالية فيه أكثر كان على قرض الشعر أقدر. ومن كانت قوّته العاقلة فيه أكثر كان في قرضة أقصر.
ولأجل كون الشعر مقرّ الكذب، نزّه اللّه نبيّه صلى الله عليه و آله عنه لما كان مرشّحا لصدق المقال، وواسطة بين اللّه وبين العباد، فقال تعالى: «وَ ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَ ما يَنْبَغِي لَهُ»[٢] فنفى ابتغاءه له. وقال: «وَ ما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ»[٣] أي: ليس بقول كاذب. ولم يعن أنّ ذلك ليس بشعر فإنّ وزن الشعر أظهر من أن يشتبه عليهم حتى يحتاج إلى أن ينفي عنه. ولأجل شهرة الشعر بالكذب سمّى أصحاب البراهين، الأقيسة المؤدّية في أكثر الأمر إلى البطلان والكذب، شعرية، وما وقع في القرآن من ألفاظ متزّنة فذلك بحسب ما يقع في الكلام على سبيل العرض بالاتّفاق وقد تكلّم الناس فيه.
وأمّا الإعجاز المتعلّق بصرف الناس عن معارضته: فظاهر أيضا إذا اعتبر، وذلك أنّه ما من صناعة ولا فعلة من الأفعال محمودة كانت أو مذمومة، إلّا وبينها وبين قوم
[١] - فصّلت ٤١: ٤١- ٤٢.
[٢] - يس ٦٩: ٣٦.
[٣] - الحاقّة ٤١: ٦٩.