التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٧ - دحض شبهة الصرفة
قرائحهم أن يقابلوه وضنّت أذهانهم أن يعارضوه. لمّا رأوه فوق مستواهم السحيق، فقصرت الأيدي أن تناله وهو في مستواه ذلك الرفيع.
وفي الختام نعود على ما بدأنا به من توجيه كلام الشريف المرتضى في الصرفة، بأنّها من جهة فقد العرب للإمكانات اللازمة في صياغة كلام مثل القرآن، فقد سُلبوا التوفيق عليه وخذلهم اللّه على إصرارهم في معاندة الحقّ. «فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ، وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ».[١]
دحض شبهة الصرفة
هذا وقد هبّ العلماء جميعا قديما وحديثا يفنّدون مزاعم القول بالصرفة، إمّا برهانا عقليا أو خطابة وجدلًا بالتي هي أحسن، في دلائل ومسائل نعرض أهمّها ونقتصر عليها، لأنّ فيها الكفاية والوفاء.
وقبل أن نرد التفصيل نقدّم خلاصة من تلك الردود والدلائل:
أوّلًا: مخالفة هذا المذهب لظاهرة التحدّي القائمة على المباهاة، ولا مباهاة على صنيع لاميزة فيه سوى سلطة صانعه على منع الآخرين قهريّا من مماثلته!
كمن باهى بوضع يده على رأسه وتحدّى الآخرين أن يصنعوا بمثله، لكنّهم لمّا أرادوا مماثلته أخذ بيدهم ومنعهم من ذلك منعا، أفهل يعدّ ذلك من المباهاة؟!
أو كمن استهدف غرضا دقيقا مباهيا، لكنّه سلب صاحبه بندقته، ولولاه لتمكّن من مماثلته ... ليس هذا تحدّيا ولا مباهاة البتة.
والخلاصة: أنّ المباهاة بالصنيع إنّما تُتعقّل إذا كان الصنيع ذاته مشتملًا على مزيّة خارقة وبديعة عجيبة، ليس إلّا.
ثانيا: لكان ينبغي أن يتعجّبوا من أنفسهم هذا التحوّل المفاجئ لهم، بالأمس كانوا قادرين واليوم أصبحوا عاجزين. فلم يكن موضع إعجاب بالقرآن الكريم، ولا أن تبهرهم
[١] - الصفّ ٥: ٦١.