التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٣٤ - ٢ - سجاح بنت الحارث التميمية
ملامة».
فنهدت لبنيحنيفة، وبلغ ذلك مسيلمة، فهابها واحتال فياستمالتها، فأرسل إليها بهديّة وطلب منها يستأمنها على نفسه حتى يأتها. فأمرت بنزول الجند على الأمواه[١] وأذنت له وآمنته فجاءها وافدا في أربعين رجلًا من الأحناف. فأوّل ما بدأها أن قال لها: لنا نصف الأرض وكان لقريش نصفها لوعدلت، وقد ردّ اللّه عليك النصف الذي ردّت قريش، فحباك به، وكان لها لو قبلت.
فقالت: «لايردّ النصف إلّا من حنف، فاحمل النصف إلى خيل تراها كالسهف».[٢]
فقال مسيلمة: «سمع اللّه لمن سمع، وأطمعه بالخير إذا طمع، ولازال أمره في كلّ ما سرّ نفسه يجتمع. رآكم ربّكم فحيّاكم، ومن وحشة خلاكم، ويوم دينه أنجاكم. فأحياكم علينا من صلوات معشر أبرار، لاأشقياء ولافجّار، يقومون الليل ويصومون النهار، لربّكم الكُبار، ربّ الغيوم والأمطار».
وقال أيضا: «لمّا رأيت وجوههم حسنت، وأبشارهم صفت، وأيديهم طفلت، قلت لهم: لاالنساء تأتون، ولاالخمر تشربون، ولكنّكم معشر أبرار، تصومون يوما وتكلفون يوما، فسبحان اللّه، إذا جاءت الحياة كيف تحيون، وإلى ملك السماء ترقون، فلو أنّها حبّة خردلة لقام عليها شهيد، يعلم ما في الصدور، ولأكثر الناس فيها الثبور».[٣]
ثمّ دعا مسيلمة سجاحا إلى حصنه، فلمّا أتت ونزلت به أغلق الحصن دونها. فقالت له: انزل، قال: فنحّي عنك أصحابك، ففعلت. فقال مسيلمة: اضربوا لها قبّة وجمّروها، لعلّها تذكر الباه، ففعلوا، فلمّا دخلت القبّة نزل مسيلمة، فقال: ماذا أُوحي إليك؟ فقالت: هل تكون النساء يبتدئن؟ ولكن أنت قل، ماذا اوحي إليك؟ قال مسيلمة:
«ألمترى إلى ربّك كيف فعل بالحُبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق
[١] - الأمواه: المياه جمع ماء.
[٢] - حنف: مال. السهف: حرشف السمك اطلق على الخيل الصغار.
[٣] - طفلت: أي صارت ناعمة كالطفلة، والثبور: الويل والهلاك.