التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٣ - ١٢ - تحقيق الأمير العلوي
(نقلنا براهينه الثلاثة ضمن دلائل العلماء على دحض شبهة الصرفة).
المذهب الثاني: قول من زعم أنّ الوجه في إعجازه إنّما هو الأُسلوب، وتقريره أنّ اسلوبه مخالف لسائر الأساليب الواقعة في الكلام، كاسلوب الشعر، واسلوب الخُطَب والرسائل، فلمّا اختصّ باسلوب مخالف لهذه الأساليب، كان الوجه في إعجازه. وهذا فاسدٌ لأوجه:
أوّلها: أنّا نقول: ما تريدون بالأُسلوب الذي يكون وجها في الإعجاز، فإن عَنيْتُم به اسلوبا أيَّ اسلوب كان، فهو باطلٌ، فإنَّه لو كان مطلقُ الأُسلوب معجزا، لكان اسلوب الشعر معجزا، وهكذا اسلوب الخطب والرسائل، يلزمُ كونه معجزا، وإنْ عَنيْتُم اسلُوبا خاصّا، وهو ما اختصّ به من البلاغة والفصاحة، فليس إعجازُه من جهة الأُسلوب، وإنّما وجهُ إعجازه الفصاحة والبلاغة كما سنوضّحه من بعد هذا عند ذكر المختار، وإنْ عنَيْتم بالأُسلوب أمرا آخرَ غير ماذكرناه فمِنْ حقِّكم إبرازُه حتّى ننظُر فيه فنُظهر صحّته أو فساده.
وثانيها: أنّ الأُسلوب لا يمنعُ من الإتيان باسلوب مثله، فلوكان الأمرُ كما زعمتموه، جازت معارضةُ القرآن بمثله، لأنَّ الإتيان باسلوب يماثله سهلٌ ويسيرٌ على كلّ أحد.
وثالثها: أنّه لو كان الإعجاز إنّما كان من جهة الأُسلوب لكان ما يحكى عن «مُسَيلمَة» الكذّاب معجزا وهو قوله: إنّا أعطيناك الْجَواهر، فصلِّ لربِّك وجاهر، وقوله:
والطّاحِنات طَحْنا، والخابِزاتِ خبزا، لأنّ ما هذا حالُه مختصّ باسلوب لا محالة، فكان يكون معجزا، وأنّه محالٌ.
ومن وجهٍ رابعٍ وهو أنّه لو كان وجهُ إعجازه الأُسلوب، لما وقع التفاوت بين قوله تعالى، «وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ»[١] وبين قول الفصحاء من العرب «القَتْلُ أنفى للقتل» لأنّهما مستويان في الأُسلوب، فلمّا وقع التفاوت بينهما دلّ على بطلان هذه المقالة واللّه أعلم.
[١] - البقرة ١٧٩: ٢.