التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٥ - انيس بنجنادة
الوجه الذي ذهب به. فلمّا جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أباالوليد؟
قال: ورائي أنّي قد سمعت قولًا واللّه ما سمعت مثله قطّ، واللّه ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة!
يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، وخلّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه فواللّه ليكوننّ لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كفيتوه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزّه عزّكم، وكنتم أسعد الناس به. قالوا:
سحرك واللّه يا أباالوليد بلسانه. قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا مابدا لكم.[١]
وهي أيضا شهادة ضافية من كبار قريش وزعماء العرب وسادتهم.
انيس بنجنادة
هو أخو أبيذر الغفاري، كان أكبر منه، وكان شاعرا معارضا يفوق أقرانه عند المعارضة. ينبئك عن ذلك حديث إسلام أخيه أبيذر جندب بنجنادة، قال: واللّه ما سمعت بأشعر (أي أكثر شعرا وأحسن نظما) من أخي انيسَ، لقد ناقَضَ (أي عارَضَ) اثنيعشر شاعرا من معاريف شعراء الجاهلية، فغلبهم، وكان قاصدا مكة فقلت له:
فليستخبر من حال رسول اللّه صلى الله عليه و آله فراث عليّ أي أبطأ، ثمّ جاء فقلت: ما صنعت؟
قال: «لقيت رجلًا بمكة على دينك- (إذ كان أبوذر يصلّي إلى ربّه منذ ثلاث سنين)- يزعم أنّ اللّه أرسله».
قلت: فما يقول الناس؟ قال: «يقولون شاعر، كاهن، ساحر»، قال أبوذر:- وكان انيس أحد الشعراء- قال انيس: «لقد سمعت قول الكهنة، فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر، فما يلتئم على لسان أحد بعدي، أنّه شعر! واللّه إنّه لصادق، وإنّهم لكاذبون ...».
قوله: أقراء الشعر أي أوزانه وقوافيه.[٢]
[١] - سيرة ابنهشام، ج ١، ص ٣١٣- ٣١٤.
[٢] - الشفا بتعريف حقوق المصطفى، ج ١، ص ٢٢٤؛ وشرح الشفاء، ج ١، ص ٣٢٠- ٣٢١؛ وراجع: صحيح مسلم، ج ٧، ص ١٥٣؛ والمستدرك على الصحيحين، ج ٣، ص ٣٣٩؛ والإصابة، ج ١، ص ٧٦ و ج ٤، ص ٦٣.