التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥ - وجوه الإعجاز في مختلف الآراء والنظرات
وفي ذلك يقول السكّاكي: «البلاغة تتزايد إلى أن تبلغ حدّ الإعجاز، وهو الطرف الأعلى وما يقرب منه».[١] ومنه أخذ الخطيب القزويني: «وللبلاغة في الكلام طرفان، أعلى وهو حدّ الإعجاز وما يقرب منه. وأسفل وهو ما إذا غيّر الكلام إلى مادونه التحق عند البلغاء بأصوات الحيوانات».[٢]
إذن فالطرف الأعلى ومايقرب منه، كلاهما حدّ الإعجاز، على ما حدّده السكّاكي، وبذلك يكون اختلاف مراتب آيات القرآن في الفصاحة والبيان، كلّه داخلًا في حدّ الإعجاز الّذي لا يبلغه البشر. وهذا هو الصحيح، على ما سنبيّن.
وبعد، فالمتلخّص من هذا البيان: أنّ التفاضل بين كلامين أو التماثل بينهما إنّما يتحقّق بهذه الاعتبارات- التي هي مقاييس لدرجة فضيلة الكلام- وهي من قبيل المعنى أكثر من كونها من قبيل اللفظ، فليس المقصود بالتحدّي، المعارضة في التشاكل اللفظي والتماثل في صورة الكلام فحسب، كما حسبه مسيلمة الكذّاب ومن حذا حذوه من أغبياء القوم.
سرّ الإعجاز
وجوه الإعجاز في مختلف الآراء والنظرات
اختلفت أنظار العلماء في وجه إعجاز القرآن، بين من أنهاه إلى عدّة وجوه ومن اقتصر على وجه واحد، ولا يزال البحث مستمرّا عن هذا السرّ الذي هو دليل الإسلام:
١- ذهب أرباب الأدب والبيان إلى أنّها الفصاحة البالغة والبلاغة الفائقة، إن في بديع نظمه أو في عجيب رصفه، الذي لم يسبق له نظير ولن يخلفه بديل ...
قد نُضّدت عباراته نضدا مؤتلفا، ونظّمت فرائده نظما متلائما، وُضعت كلّ لفظة منه في موضعها اللائق بها، ورصفت كلّ كلمة منه إلى كلمات تناسبها وتوائمها، وضعا دقيقا ورصفا تامّا، يجمع بين أناقة التعبير وسلاسة البيان، وجزالة اللفظ وفخامة الكلام، حلوا
[١] - المصدر، ص ١٩٦- ١٩٩.
[٢] - المطوّل للتفتازاني، ص ٣١ ط استنبول.