التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥ - الإعجاز في مفهومه
معجزات هذه الأُمّة عقليا لذكائهم وكمال أفهامهم التي صاروا بها كالأنبياء. ولذلك قال صلى الله عليه و آله:
«كادت أُمّتي تكون أنبياء».[١]
ولأنّ هذه الشريعة لمّا كانت باقية على وجه الدهر غير معرّضة للنسخ، وكانت العقليات باقية غير متبدّلة جعل أكثر معجزاتها مثلها باقية. وما أتى به النبي صلى الله عليه و آله من معجزاته الحسيّة، كتسبيح الحصا في يده، ومكالمة الذئب له، ومجيء الشجرة إليه، فقد حواها وأحصاها أصحاب الحديث.
وأمّا العقليات: فمن تفكّر فيما أورده عليه السلام من الحكم التي قصرت عن بعضها أفهام حكماء الأُمم بأوجز عبارة اطلع على أشياء عجيبة.
وممّا خصّه اللّه تعالى به من المعجزات القرآن: وهو آية حسيّة عقليّة صامتة ناطقة باقية على الدهر مبثوثة في الأرض، ولذلك قال تعالى: «وَ قالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَ إِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ. أَ وَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ»[٢] ودعاهم ليلًا ونهارا مع كونهم أُولي بسطة في البيان إلى معارضته، بنحو قوله:
«وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ. وَ ادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ»[٣] وفي موضع آخر: «وَ ادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ»[٤] وقال: «قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً».[٥]
فجعل عجزهم علما للرسالة، فلو قدروا ما أقصروا، إذ قد بذلوا أرواحهم في إطفاء نوره وتوهين أمره، فلمّا رأيناهم تارة يقولون: «لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَ الْغَوْا فِيهِ»[٦] وتارة يقولون: «لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا»،[٧] وتارة يصفونهبأنّه «أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ»[٨] وتارة يقولون:
[١] - مسند أحمد، ج ١، ص ٢٩٦.
[٢] - العنكبوت ٥٠: ٢٩- ٥١.
[٣] - البقرة ٢٣: ٢.
[٤] - يونس ٣٨: ١٠.
[٥] - الإسراء ٨٨: ١٧.
[٦] - فصّلت ٢٦: ٤١.
[٧] - الأنفال ٣١: ٨.
[٨] - النحل ٢٤: ١٦.