التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٣ - مذهب الشريف المرتضى
فقد توفّرت المعاني الضخمة، وازدحمت المعارف الجليلة، بين أحضان القرآن الكريم، بما بهر العقول وطار بالألباب ... الأمر الذي سلب قدرة المعارضة عن أيّ معارض متى رامها، ولم يدع مجالًا للتفكير في مقابلته لأيّ صنديد عنيد، مادام هذا الكتاب العزيز قد شمخ بأنفه على كلّ مستكبر جبّار عارض طريقه إلى الإمام.
*** فلعلّ الشريف المرتضى أراد هذا المعنى، وأنّ اللفظ مهماجلّ نظمه وعزّ سبكه، فإنّه لايبلغ مرتبة المعنى في جلاله وكبريائه، والتحدّي إنّما وقع بهذا الأهمّ الأشمل، قال: «فإن قال: الصرف عمّا ذا وقع؟ قلنا: عن أن يأتوا بكلام يساوي أو يقارب القرآن في فصاحته وطريقة نظمه، بأن سلب كلّ من رام المعارضة، العلوم التي يتأتّى ذلك بها. فإنّ العلوم التي بها يتمكّن من ذلك ضرورة من فعله تعالى بمجرى العادة ...».[١]
تأمّل هذه العبارة وأمعن النظر فيها، تجدها صريحة- تقريبا- في إرادة القدرة العلميّة، التي هي حكمة إلهية يهبها لمن يشاء من عباده، ومن يؤتى الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا. فهؤلاء حرموها مغبّة لجاجهم وعنادهم مع الحقّ.
وهكذا فهم الأُستاذ الرافعي تفسير مذهب السيد في الصرفة، قال: وقال المرتضى من الشيعة: بل معنى الصرفة أنّ اللّه سلبهم العلوم ... التي يحتاج إليها في المعارضة ليجيؤوا بمثل القرآن ... فكأنّه يقول: أنّهم بلغاء يقدرون على مثل النظم والأُسلوب، ولايستطيعون ماوراء ذلك ممّا لبسته ألفاظ القرآن من المعاني، إذ لم يكونوا أهل علم ولا كان العلم في زمنهم.[٢]
ومن قبل قال التفتازاني: أو بسلب العلوم التي لابدّ منها في الإتيان بمثل القرآن، بمعنى أنّها لم تكن حاصلة لهم ... أو بمعنى أنّها كانت حاصلة فأزالها اللّه. قال: وهذا (سلب العلوم) هو المختار عند المرتضى ...[٣]
قلت: ظاهر قول المرتضى هو الشقّ الأوّل من المعنيين: (أنّها لم تكن حاصلة لهم).
[١] - بنقل الشيخ في التمهيد، وسيأتي تفصيله. وهكذا جاء في عبارة السيد من كتابه« الذخيرة»، ص ٣٨٠.
[٢] - إعجاز القرآن للرافعي، ص ١٤٤.
[٣] - شرح المقاصد، ج ٥، ص ٢٨.