التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٤ - أمية بنخلف
الكف) من الحجارة، فلمّا وقفت عليه أخذ اللّه ببصرها من شدّة هياجها فلم تبصر رسول اللّه، فجعلت تقول: أين محمّد، أين الذي كان يهجوني؟! واللّه لو وجدته لشدخته بهذا الفهر.
فجعلت تهجو النبي بقولها:
مُذَمّما عصينا. وأمره أبينا. ودينه قلينا.
فانصرفت مذعورة مقهورة وكان آخر أمرها أن ماتت واجدة على أمرها في عاقبة سوء.[١]
أُميّة بنخلف
كان من أثرياء قريش معجبا بنفسه ومترفّعا بثرائه ومن العتاة المستكبرين في الأرض. كان كلّما رأى رسول اللّه صلى الله عليه و آله يسخر منه ومن المؤمنين به ويستهين بهم. وكان من خسّته الهمز واللمز بالناس وخاصّة بالمستضعفين من المؤمنين، فيحاول التنقيص منهم والتعيير بشأنهم في دناءة ولؤم. فنزلت في شأنه:
«وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ. الَّذِي جَمَعَ مالًا وَ عَدَّدَهُ. يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ. كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ. وَ ما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ. نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ. الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ. إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ. فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ».[٢]
هذه الآيات تعكس صورة من الصور الواقعيّة الّتي تواجهها دعوة الحقّ أينما كانت، صورة اللئيم الصغير النفس الذي يؤتى المال فتسيطر نفسه به، ويروح يشعر أنّ المال هو القيمة العليا في الحياة، القيمة الّتي تهون أمامها جميع القيم وجميع الأقدار. وهي صورة حقيرة من صور النفوس البشرية حين تخلو من المروءة وتعرى من الإيمان.
والإسلام يكره هذه الصورة الهابطة من صور النفوس، بحكم ترفّعه الأخلاقي، وقد نهى عن السخرية واللمز والتعييب في مواضع شتّى. إلّا أنّ ذكرها هنا بهذا التشنيع والتقبيح
[١] - راجع: سيرة ابنهشام، ج ١، ص ٣٨١؛ والروض الأُنف للسهيلي، ج ٢، ص ١١١- ١١٥ وغيرهما.
[٢] - الهمزة ١: ١٠٤- ٩.