التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٥ - أمية بنخلف
مع الوعيد والتهديد، يوحي بأنّه كان يواجه حالة واقعيّة من بعض المشركين تجاه رسول اللّه صلى الله عليه و آله وتجاه المؤمنين. فجاء الردّ عليها في صورة الردع الشديد، والتهديد الرعيب.
والتهديد يجيء في صورة مشهد من مشاهد القيامة، كانت صورة منعكسة عن الحالة الرديئة التي زاولها أعداء الإسلام في هذه الحياة، فكانت صورة تمثّل للعذاب مادّيّة ونفسيّة، وصورة للنار حسّيّة ومعنويّة. وقد لوحظ فيها التقابل بين الإجرام وطريقة الجزاء وجوّ العقاب.
فصورة الهمزة واللمزة، الذي يدأب على الهزء بالناس وعلى لمزهم في أنفسهم وأعراضهم، وهو يجمع المال فيظنّه كفيلًا بالخلود! صورة هذا المتعالي الساخر المستقوي بالمال، تقابلها صورة «المنبوذ» المهمل المتردّى في «الحُطَمة» الّتي تحطم كلّ ما يلقى إليها، فتحطم كيانه وكبرياءه. وهي «نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ». وإضافتها للّه وتخصيصها هكذا يوحي بأنّها نارٌ فذّة، غير معهودة. ويخلع عليها رهبة مفزعة رعيبة. وهي «تطّلع» على فؤاده الذي ينبعث منه الهمز واللمز، وتكمن فيه السخريّة والكبرياء والغرور. وتكملة لصورة هذا المحطّم المنبوذ المهمل، جاء وصف النار هذه بأنّها مغلقة عليه. ولاينقذه منها أحد، ولا يسأل عنه فيها أحد! وهو موثّق فيها إلى عمود كما توثق البهائم بلا احترام!
وفي جرس الألفاظ تشديد: «عدّده، كلّا. لينبذنّ. تطّلع. ممدّدة». وفي معاني العبارات توكيد بشتّى أساليب التوكيد: «لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ. وَ ما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ؟ نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ ...» فهذا الإجمال والإبهام، ثمّ سؤال الاستهوال، ثمّ الإجابة والبيان .. كلّها من أساليب التوكيد والتضخيم. وفي التعبير تهديد: «ويل. لينبذنّ. الحطمة. نار اللّه الموقدة.
الّتي تطّلع على الأفئدة. إنّها عليهم مؤصدة. في عمد ممدّدة».
وفي ذلك كلّه لون من التناسق التصويري والشعوري يتّفق مع فعلة «الهمزة واللمزة»!
ولقد كان القرآن يتابع أحداث الدعوة ويقودها في الوقت ذاته. وكان هو السلاح البتّار الصاعق الذي يدمّر كيد الكائدين. ويزلزل قلوب المعاندين. ويثبّت أرواح المؤمنين. وإنّا لنرى في عناية اللّه سبحانه بالردّ على هذه الصورة معنيين كبيرين: