التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٣ - ١٠ - كلام الزملكاني
المخصوص معجز على ماقال تعالى: «لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ»، والمراد النظم بدليل «فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ» وليس في كلّ سورة إخبار بالغيب، دلّ على أنّ المراد نظمه.
فإن قلت: الضمير في «مثله» عائد إلى اللّه تعالى.
قلت: يضعّفه قوله تعالى: «قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ»[١] والسياق واحد.
فإن قلت: الواحد من العرب قد يؤلّف الخطبة أو القصيد ويعجز غيره عن مثلها، ولم يعد ذلك معجزا، كما تراه من خطب علي عليه السلام وكلام قسّ وشعر امرئ القيس والأعشى وغيرهما من المتقدّمين والمتأخّرين. ولقد ألّف الناس كتبا في الفنون وصنّفوا خطبا اعترف بأنّها يتيمة دهر وفريدة عصر!
قلت: أين النبع من الغَرَب، والصبر من الضَرَب[٢] وهل يحتوي كتاب أو يشتمل خطاب على ما اشتمل عليه كتاب اللّه تعالى من سهولة لفظ وجزالته وبلاغة معنى وغرابته، وعجائب لا تنقضي وعرائس في نفائس الحلي تنجلي، ومن ثمّ قالوا: «إنّ له لحلاوة وأنّ عليه لطلاوة وأنّ أسفله لمعرق وأنّ أعلاه لمثمر». وعن ابنمسعود: «إذا وقعت في آل حم وقعت في روضات دمثات أتأنّق فيهنّ». أي أتتبّع محاسنهنّ. لم يقل ذلك من أجل أوزان الكلمات ولا من أجل إعرابها ولا من أجل الفواصل في أواخر الآيات، ولا من أجل التأليف فقط، بل ذلك راجع إلى دقّة النظم مع زيادة الفائدة.
هذا وأنّه لصادر على لسان من لم يمارس الخطّ والخطب وينافس في معرفة الدرّ من المخشلب.[٣] وإذا جعلت الكلمات اليسيرة من عيسى عليه السلام آية، مع أنّها الجارية من الأكابر عادة، فلئن تجعل الغايات الكثيرة والسورة الطويلة المشتملة على أصناف فنون الآداب والفصاحة والبلاغة التي يعجز عنهما الوصف ويكلّ دونهما حدّ الطرف، من رجل حاله ما سبق، أحرى وأولى.
[١] - هود ١٣: ١١.
[٢] - النبع: شجر للقسي والسهام ينبت في رؤوس الجبال. والغرب: نبت ضعيف ينبت على الأنهار. الصبر: عصارة شجرٍ مرّ. الضَرَب: العسل.
[٣] - يقال: أراه الدرّ مخشلبا، وهو: خرز من محارة البحر وليس بدرّ.