التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٤ - ١٠ - كلام الزملكاني
وسأُوضّح لك ذلك بشيء من دقيق المسالك، منه فواتح السّور التي هي حروف هجاء وإذا نظرتها ببادي الرأي وجدتها ممّا يكاد يمجّه السمع ويقلّ به النّفع، مع أنّها من الحسن ترفل في أثواب الحبر ويقصر عنها دقيق النظر، وذلك من وجوه:
الأوّل: إنّها كالمهيّجة لمن سمعها من الفصحاء والموقظة للهمم الراقدة من البلغاء لطلب التساجل والأخذ في التفاضل. ألا تراها بمنزلة زمجرة الراعد قبل الماطر في الأعلام لتعي الأرض فضل الغمام وتحفظ ما أُفيض عليها من الأنعام وتخاف مواقع الانتقام بما فيه من العجمة التي لا تؤلّف الكلام.
وما هذا شأنه خليق بالنظر فيه والوقوف على معانيه بعد حفظ مغانيه. بل حكم الدواعي الجبليّة أن تبعث على ذلك اضطرارا لا اختيارا، لاسيّما وهي صادرة عن رجل عليه مهابة وجلالة قد قام مقام اولي الرسالة وكشف ما هم عليه من الجهالة والضلالة وتواعدهم بأنّ الهلكات نازلة بهم لا محالة.
الثاني: التنبيه على أنّ تعداد هذه الحروف ممّن لم يمارس الخطّ ولم يعان النظر فيه، على ما قال تعالى: «وَ ما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَ لا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ»[١] متنزّل منزلة الأقاصيص عن الأُمم السالفة ممّن ليس له اطّلاع على ذلك.
الثالث: انحصارها في نصف أسماء حروف المعجم، لأنّها أربعة عشر حرفا وهي:
الألف واللام والميم والصاد والراء والكاف والهاء والياء والعين والطاء والسين والحاء والقاف والنون.
الرابع: مجيؤها في تسع وعشرين سورة بعدد الحروف.
الخامس: كما روعي تنصيفها باعتبار هجائها روعي تنصيفها باعتبار أجناسها، كالمجهورة، وهي ماعدا قولك: «ستشحثك خصفه» وهذه «المهموسة» والرخوة، وهي ماعدا قولك: «أجدك قطبت» وهي «الشديدة» وما بينهما، وهي قولك: «لم يرعونا» والمطبقة، وهي الضاد والظاء والصاد والطاء. والمنفتحة «وهي ماعداها». والمستعلية،
[١] - العنكبوت ٤٨: ٢٩.