التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٥ - ٩ - كلام القطب الراوندي
أنّ القوم صرفوا عن المعارضة وأخذوا عن طريقها.
*** قال: والأشبه بالحقّ والأقرب إلى الحجّة- بعد ذلك القول- قول من جعل وجه إعجاز القرآن خروجه عن العادة في الفصاحة، فيكون مازاد على المعتاد معجزا، كما أنّه لمّا أجرى اللّه العادة في القدرة التي يمكن بها من ضروب أفعال الجوارح، كالطفو بالبحر وحمل الجبل، فإنّها إذا زادت على ما تأتي العادة، كانت لاحقة بالمعجزات، كذلك القول هاهنا.
ثمّ إنّ هؤلاء الّذين قالوا: إنّ جهة إعجاز القرآن الفصاحة المفرطة التي خرقت العادة صاروا صنفين:
منهم من اقتصر على ذلك ولم يعتبر النظم، ومنهم من اعتبر مع الفصاحة النظم المخصوص، وقال الفريقان: إذا ثبت أنّه خارق للعادة بفصاحته، دلّ على نبوّته ...
وأمّا القول الثالث والرابع فكلاهما مأخوذ من قوله تعالى: «وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً»[١] فحمل الأوّلون ذلك على المعنى، والآخرون على اللفظ.
والآية مشتملة عليهما عامّة، ويجوز أن يكون كلا القولين معجزا على بعض الوجوه، لارتفاع التناقض فيه، والاختلاف فيه، على وجه مخالف للعادة.
وأمّا من جعل جهة إعجازه ما تضمّنه من الإخبار عن الغيوب، فذلك لاشك أنّه معجز، لكن ليس هو الذي قصد به التحدّي، لأنّ كثيرا من القرآن خال من الإخبار بالغيب، والتحدّي وقع بسورة غير معيّنة.
*** وأمّا الذين قالوا: إنّما كان معجزا لاختصاصه باسلوب مخصوص، ليس بمعهود، فإنّ النظم دون الفصاحة لايجوز أن يكون جهة إعجاز القرآن على الإطلاق، لأنّ ذلك لايقع فيه التفاضل، وفي ذلك كفاية، لأنّ السابق إلى ذلك لابدّ أن يقع فيه مشاركة لمجرى العادة
[١] - النساء ٨٢: ٤.