التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١٦ - شعراء مخضرمون
أخطر الأساليب لوهن موضع إعجاز هذا الكلام الإلهي وخرقه للمعتاد! والعياذ باللّه.
هذا مادعاني إلى التكثير من شواهد الباب، وإلّا فلا داعي للتعرّض لأشعار لامحتوى لها ولاوزن في عالم الكلام والاعتبار! واللّه الهادي.
أجواء مفعمة بالأدب الرفيع أحاطت بعهد نزول القرآن
شعراء مخضرمون
ولعلّنا لم نبالغ إذا قلنا بأنّ العرب الاول قد حُظُوا من رفعة الأدب وسموّ البلاغة وطلاقة اللسان مالم يُحظَوا فيما بعد من أدوار التأريخ، مهما توسّعوا في الاضطلاع بقواعده والإشادة بمبانيه ومبادئه، إنّهم- على بداوتهم- كانوا خلصاء وكانوا يعتمدون قرائحهم الضافية وأذواقهم السليمة الصافية، لاتعمّل فيها ولاتكلّف ممّا صنعه المتأخّرون.
كانت البلاغة حينذاك هي بضاعة العرب الوحيدة وصناعتهم الفريدة، ومن ثمّ كانوا قد أحكموا من مبانيها وأتقنوا من أُصولها وفروعها قريحة وسليقةً لادراسةً وتعلّما، فكانت بالذاتيات الراسخة أشبه منها بالعرضيات الزائلة.
وفي هذا الجوّ المفعم بالأدب الرفيع نزل القرآن الكريم، فبدلًا من أن يسطو عليه المحيط الغالب، نراه قد تغلّب على البلاد، واستولى على معالمها، وهزم أبطالها، وأباد عساكرها، وتسنّم العرش وسيطر على الآفاق.
ونحن في هذا العرض نقتصر على جانب من هذا الجو السائد، جانب الشعر والشعراء ممّن أدركوا الجاهليّة والإسلام، وكانوا على مستوى عال، أصحاب طلاقة بيان وذلاقة لسان، سواء منهم من آمن ومن بقي على جهله القديم، وهم الأقلّ.
وقد عمدنا إلى ألمع شعراء العرب المخضرمين، وفيهم أصحاب المعلّقات والمذهّبات، والشعراء الفرسان، والحكماء، والوصّافون، والهجّاؤون، ومن شاكلهم ممّن كانت القبائل تهاب موقفهم وتخشى ألسنتهم الحداد، وكانوا على قدرة من تصريف الكلام.