التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٨ - ٩ - كلام القطب الراوندي
قال: والذي يجب أن يعلم- في العلم بإعجاز القرآن- هو أن يعلم مباني الكلام وأسباب الفصاحة في ألفاظها، وكيفيّة ترتيبها، وتباين ألفاظها، وكيفية الفرق بين الفصيح والأفصح، والبليغ والأبلغ، وتعرف مقادير النظم والأوزان، وما به يبين المنظوم من المنثور وفواصل الكلام، ومقاطعه، ومبادئه، وأنواع مؤلّفه ومنظومه.
ثمّ ينظر فيما أتى به حتّى يعلم أنّه من أيّ نوع هو، وكيف فضّل على ما فضّل عليه من أنواع الكلام، حتّى يعلم أنّه من نظم مباين لسائر المنظوم، ونمط خارج من جملة ماكانوا اعتادوه فيما بينهم، من أنواع الخطب والرسائل والشعر والمنظوم والمنثور والرجز والمخمّس والمزدوج والعريض والقصير.
فإذا تأمّلت ذلك وتدبّرت مقاطعه ومفاتحه، وسهولة ألفاظه، واستجماع معانيه، وأنّ كلّ واحد منها لوغيّرت لم يمكن أن يؤتى بدلها بلفظة هي أوفق من تلك اللفظة، وأدلّ على المعنى منها، وأجمع للفوائد والزوائد منها.
وإذا كان كذلك، فعند تأمّل جميع ذلك، يتحقّق ما فيه من النظم اللائق، والمعاني الصحيحة التي لايكاد يوجد مثلها على نظم تلك العبارة، وإن اجتهد البليغ والخطيب.
*** قال: وفي خواصّ نظم القرآن وجوه:
أوّلها: خروج نظمه عن صورة جميع أسباب المنظومات، ولولا نزول القرآن لميقع في خلد فصيح سواها، وكذلك قال عتبة بنربيعة لمّا اختاره قريش للمصير إلى النبي صلى الله عليه و آله، قرأ عليه حم السجدة، فلمّا انصرف قال: سمعت أنواع الكلام من العرب، فما شبّهته بشيء منها، إنّه ورد عليّ ما راعني. ونحوه ما حكى اللّه عن الجنّ. فلمّا عَدُمَ وجود شبيه القرآن من أنواع المنظوم، انقطعت أطماعهم عن معارضته.
والخاصّة الثانية: في الروعة التي له في قلوب السامعين، فمن كان مؤمنا يجد شوقا إليه وانجذابا نحوه، وحكي أنّ نصرانيّا مرّ برجل يقرأ القرآن فبكى فقيل له: ما أبكاك؟ قال:
النظم.