التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١ - التحدي في شموله
ذلك مهما حاولوه وأعدّوا له من حول وقوّة، لأنّه كلام يفوق كلام البشر كافّة.
والآن وقد حان إعلان التحدّي بصورته العامّة، متوجّها به إلى البشريّة جمعاء، تحدّيا مستمرّا عبر الأجيال: «قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً».[١]
*** وهل وقع التحدّي بجميع وجوه الإعجاز، أم كان يخصّ جانب فصاحته وبلاغته وبديع نظمه وعجيب اسلوبه فحسب؟
ولعلّه يختلف حسب اختلاف الخطاب. فحيث كان التحدّي متوجّها إلى العرب خاصة، ولا سيّما ذلك العهد، الذي كانت مهنة العرب فيه خاصّة بجانب البيان وطلاقة اللسان. فلا جرم كان التحدّي حينذاك أيضا خاصّا بهذا الجانب في ظاهر الخطاب.
أمّا وبعد أن توجّه النداء العامّ إلى كافة البشريّة على الإطلاق، فإنّه لابدّ أن يقع التحدّي بمجموعة وجوه الإعجاز من حيث المجموع. حيث اختلاف الاستعدادات والقابليّات. والقرآن معجزة الإسلام، لجميع الأدوار وعامّة الأجيال، ولمختلف طبقات الناس، في الفنون والمعارف، والعلوم والثقافات.
التحدّي في شموله
وهذا التحدّي في عمومه يشمل كلّ الأُمم وكلّ أدوار التأريخ، سواء العرب وغيرهم، وسواء من كان في عهد الرسالة أم في عهود متأخّرة حتّى الأبد. اللفظ عامّ والخطاب شامل[٢] ولأنّ التحدّي لم يكن في تعبيره اللفظي فقط ليخصّ لغة العرب، وإنّما هو بمجموعته من كيفيّة الأداء والبيان والمحتوى جميعا. كما أنّه لم يخصّ جانب فصاحته
[١] - الإسراء ٨٨: ١٧.
[٢] - وبتعبير اصطلاحي اصولي: أنّ هذا الخطاب يضمّ إلى جانب عمومه الأفرادي إطلاقا أحواليا وإطلاقا زمانيا معا، إذن فللخطاب شمول من النواحي الثلاث: الأفراد الموجودين والأقوام الذين يأتون من بعد. وأيّا كانت حالتهم وعلى أيّ صفةٍ كانوا ...