التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٨ - فذلكة القول بالصرفة
فذلكة القول بالصرفة
يتلخّص مذهب الصرفة- على ماقاله وجوه أصحاب هذا الرأي- حسبما يلي:
أوّلًا: قولة النظّام (مبتدع هذه الفكرة): أنَّ في نثر العرب ونظمهم مالا يخفى من الفوائد، يعني: فصاحة بالغة تضاهي فصاحة القرآن. وقد صرّح بذلك الخفاجي والشريف المرتضى. استنادا إلى قوله تعالى- حكاية عن العرب-: «لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا ...»[١] يدلّ على أنّ العرب حسبت من نفسها القدرة على الإتيان بمثله سبكا وصياغة. لولا أنّه تعالى صرف هممهم عن النهوض لمقابلته، وأمسك بعزيمتهم دون القيام بمعارضته.
ثانيا: ربط ابنُحزم مسألة الإعجاز بمسألة الجبر في الاختيار، وأن لاميزة جوهريّة في القرآن لولا المنع الخارجي. واستند إلى ما يوجد في القرآن من تفاوت في درجة البلاغة، ومن سرد أسماء زعم أن لاعجيبة في نضدها بما يفوق كلام العرب. كما أنّ فيه حكاية أقوال آخرين لم تكن معجزة، فلمّا حكاها اللّه تعالى في القرآن أصارها معجزة ومنع من مماثلته وحال دون إمكان النطق بمثلها أبدا. قال: وهذا برهان كافٍ لايحتاج إلى أزيد منه ... وحمد اللّه أن هداه إلى هذا البرهان الكافي الشافي ... لولا أنّ الأُستاذ الرافعي سخر من عقليّته هذه الساذجة، قائلًا: بل هو فوق الكفاية، وأكثر من ذلك أنّه لمّا جعله ابنحزم رأيا له أصاره كافيا ولايحتاج إلى مزيد بيان!
ثالثا: استند السيّد وأصحابه إلى عدم ظهور فرق بيّن بين قصار السور والمختار من كلام العرب، وإلّا لما احتيج إلى مراجعة الأذكياء من العلماء.
والنظم لايصحّ فيه التزايد والتفاضل. كما لايصحّ معارضة المنثور بالمنظوم. وقاس الخفاجي تلاؤم الكلمات في الجمل بتلاؤم حروف الكلم، ليكون خارجا عن اختيار المتكلّم.
ودليلًا على ذلك قالوا: لاشكّ أنّ العرب كانوا قادرين على التكلّم بمثل مفردات الجمل وقصار تراكيبها مثل «الحمد للّه» و «ربّ العالمين» وهكذا، فأجدر بهم أن يكونوا
[١] - الأنفال ٣١: ٨.