التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧١ - ٩ - كلام القطب الراوندي
وقوعه، فوقع كما أخبر عنه من غير خلف فيه، وهو قوله: «إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ»[١] لمّا قال قائلهم: أنّ محمدا رجل صنبور[٢] فإذا مات انقطع ذكره، ولا خلف له يبقى به ذكره، فعكس ذلك على قائله، وكان كذلك.
والثاني من طريق نظمه، لأنّه على قلّة عدد حروفه، وقصر آيه، يجمع نظما بديعا، وأمرا عجيبا، وبشارة للرسول، وتعبّدا للعبادات، بأقرب لفظ وأوجز بيان.
ثمّ أنّ السور الطوال متضمّنة للإعجاز من وجوه كثيرة نظما وجزالة وخبرا عن الغيوب، فلذلك لايجوز أن يقال: إنّ القرآن معجز واحد ولا ألف معجز، ولا أضعافه فلذلك خطّأنا قول من قال: أنّ للمصطفى صلى الله عليه و آله ألف معجز أو ألفي معجز، بل يزيد ذلك عند الإحصاء على الأُلوف.
*** ثمّ الاستدلال في أنّ القرآن معجز، لايتمّ إلّا بعد بيان خمسة أشياء:
أحدها: ظهور محمّد صلى الله عليه و آله وادعاؤه أنّه مبعوث إلى الخلق ورسول إليهم.
وثانيها: تحدّيه العرب بهذا القرآن الذي ظهر على يديه، وادّعاؤه أنّ اللّه أنزله عليه وخصّه به.
وثالثها: أنّ العرب مع طول المدّة لم يعارضوه.
ورابعها: أنّه لم يعارضوه للتعذّر والعجز.
وخامسها: أنّ هذا التعذّر خارق للعادة.
فإذا ثبت ذلك، فإمّا أن يكون القرآن نفسه معجزا خارقا للعادة بفصاحته، ولذلك لم يعارضوه، أو لأنّ اللّه صرفهم عن معارضته ولولا الصرف لعارضوه، وأيّ الأمرين ثبت صحّت نبوّته صلى الله عليه و آله لأنّ اللّه تعالى لايصدّق كاذبا، ولايخرق العادة لمبطل.
وأمّا ظهوره صلى الله عليه و آله بمكة ودعاؤه إلى نفسه، فلا شبهة فيه، بل هو معلوم ضرورة لاينكره
[١] - الكوثر ٣: ١٠٨.
[٢] - الصنبور كعصفور-: النخلة المنفردة من النخيل، والتي دقّت من أسفلها وانجرد كَرَبُها وقلّ حملها، ثمّ كنّي عن الرجل الضعيف الذليل، بلا أهل ولا عقب ولا ناصر.