التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧١ - كلمة عبد القاهر الجرجاني
العرب أن عقولهم مازالت بعد التحدّي بالقرآن وأنّ حالهم في الفصاحة والبلاغة بعد نزوله كما كان من قبل، فبطل ماعوّل عليه أهل الصّرفة، وكلامهم يحتمل أكثر ممّا ذكرناه من الفساد، وله موضع أخصّ به، فلا جرم اكتفينا هاهنا بما أوردناه».[١]
كلمة عبد القاهر الجرجاني
وللشيخ عبدالقاهر الجرجاني ردّ لطيف على القائلين بالصرفة، أورده في رسالته «الشافية» وقد أوفى المطلب حقّه، فأجدر به أن ينقل بلفظه قال:
«اعلم أنّ الذي يقع في الظن من حديث القول بالصرفة أن يكون الذي ابتدأ القول بها ابتدأه على توهّم أنّ التحدّي كان إلى أن يعبّر عن أنفُس معاني القرآن بمثل لفظه ونظمه دون أن يكون قد أُطلق لهم و خيّروا في المعاني كلّها. ذاك لأنّ في القول بها على غير هذا الوجه امورا شنيعة، يبعد أن يرتكبها العاقل ويدخل فيها. وذاك أنّه يلزم عليه أن يكون العرب قد تراجعت حالها في البلاغة والبيان، وفي جودة النظم وشرف اللفظ، وأن يكونوا قد نُقصوا في قرائحهم وأذهانهم، وعُدموا الكثير ممّا كانوا يستطيعون، وأن تكون أشعارهم التي قالوها، والخطب التي قاموا بها- وكلّ كلام اختلفوا فيه من بعد أن أُوحي إلى النبيّ صلى الله عليه و آله وتحدّوا إلى معارضة القرآن- قاصرة عمّا سمع منهم من قبل ذلك، القصور الشديد. وأن يكون قد ضاق عليهم في الجملة مجال قد كان يتسع لهم، ونضبت عنهم موارد قد كانت تغزر، وخذلتهم قوى قد كانوا يصولون بها، وأن تكون أشعار شعراء النبيّ صلى الله عليه و آله التي قالوها في مدحه، وفي الردّ على المشركين، ناقصة متقاصرة عن شعرهم في الجاهلية ..
ثمّ أورد اعتراضا بأنّهم إذا لم يشعروا بهذا النقصان الحاصل في فصاحتهم، فكيف عرفوا مزيّة القرآن على كلامهم، وإذا لم يعرفوا مزيّة القرآن، فكيف اعترفوا بعجزهم عن نيلها!
وأمّا إذا أحسّوا بنقصان حدث في أنفسهم، فعند ذلك فاللازم أن لايعترفوا بمزيّة
[١] - الطراز( في أسرار البلاغة وحقائق الإعجاز)، ج ٣، ص ٣٩٢- ٣٩٥.