التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧ - الإعجاز في مفهومه
و الحميّة دون الجهل والحيرة، حملهم على حظّهم بالسيف، فنصب لهم الحرب ونصبوا، وقتل من عليّهم وأعلامهم وأعمامهم وبني أعمامهم، وهو في ذلك يحتجّ عليهم بالقرآن، ويدعوهم صباحا ومساءً إلى أن يعارضوه إن كان كاذبا، بسورة واحدة، أو بآيات يسيرة، فكلّما ازداد تحدّيا لهم بها، وتقريعا لعجزهم عنها، تكشّف من نقصهم ما كان مستورا، وظهر منه ما كان خفيّا، فحين لم يجدوا حيلة ولا حجّة قالوا له: أنت تعرف من أخبار الأُمم مالا نعرف، فلذلك يمكنك مالا يمكننا. قال: فهاتوها مفتريات، فلم يَرُمْ ذلك خطيب ولا طمع فيه شاعر، ولو طمع فيه لتكلّفه، ولو تكلّفه لظهر ذلك، ولو ظهر لوجد من يستجيده ويحامي عليه ويكابر فيه ويزعم أنّه قد عارض وقابل وناقض، فدلّ ذلك العاقل على عجز القوم، مع كثرة كلامهم، واستجابة لغتهم، وسهولة ذلك عليهم، وكثرة شعرائهم وكثرة من هجاه منهم وعارض شعراء أصحابه وخطباء امّته، لأنّ سورة واحدة وآيات يسيرة كانت أنقض لقوله، وأفسد لأمره وأبلغ في تكذيبه، وأسرع في تفريق أتباعه من بذل النفوس، والخروج من الأوطان وإنفاق الأموال.
وهذا من جليل التدبير الذي لا يخفى على من هو دون قريش والعرب في الرأي والعقل بطبقات، ولهم القصيد العجيب، والرجز الفاخر، والخطب الطوال البليغة والقصار الموجزة، ولهم الأسجاع والمزدوج واللفظ المنثور، ثمّ تحدّى به أقصاهم بعد أن أظهر عجز أدناهم، فمحال- أكرمك اللّه- أن يجتمع هؤلاء كلّهم على الغلط في الأمر الظاهر، والخطأ المكشوف البيّن مع التقريع بالنقص، والتوقيف على العجز، وهم أشدّ الخلق أنفة، وأكثرهم مفاخرة، والكلام سيّد عملهم، وقد احتاجوا إليه، والحاجة تبعث على الحيلة في الأمر الغامض، فكيف بالظاهر الجليل المنفعة، وكما أنّه محال أن يطبقوا ثلاثا وعشرين سنة (مدّة رسالته صلى الله عليه و آله) على الغلط في الأمر الجليل المنفعة فكذلك محال أن يتركوه وهم يعرفون ويجدون السبيل إليه، وهم يبذلون أكثر منه.[١]
[١] - الإتقان، ج ٤، ص ٥- ٦. وله كلام تفصيلي آخر في إثبات إعجاز القرآن، ذكره في رسالته حجج النبوّة، ص ١٤٤ فما بعدها. وقد نقله صاحب الإعجاز في دراسات السابقين، ص ١٥٨- ١٦٢.