التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٢ - المقدمة
خشية سماعه، أو يحشون مسامع الوفود بالخرق والكراسف لئلّا يستمعوا إلى حديثه، لماذا؟ إنّهم أدركوا هيمنته ولمسوا من واقعه الناصع، فهابوه وخافوا سطوته، فقد أعجزتهم مقابلته بالكلام وألجأتهم أخيرا إلى ركوب الصعب من مطايا الحتوف بمقارعة الأسنّة والسيوف. لكن «وَ يُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ».[١]
والآية الأغرب، والمعجزة الأعجب، ذلك حكمه الباتّ على أنّهم لن يأتوا بمثله «وَ لَنْ تَفْعَلُوا» أبدا. إنّه إعجاز في صراحة وجرأة يفوق سائر الإعجاز، وإخبار عن غيب محتّم، لايصدر إلّا عن علّام الغيوب، ولا يجرأ على النطق به أحد من البشر مهما اوتي من علم وقدرة وهيمنة.
بل وحكمه العام الشامل لكافّة طبقات الأُمم عبر الخلود، لا يستطيعون جميعا أن يأتوا بمثله «وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً».[٢]
وهذه ركب البشرية وفيهم الجفاة والعتاة ممّن مارسوا لغة الضاد، قد أخرسوا جميعا عن معارضته وإمكان مقابلته، وليس عن رحمة ولين عريكة، وإنّما هو عجز وعيّ وضعف، صار دليلًا على إعجازه وبرهانا على خلوده!
وقد بحث العلماء قديما وفي العصر القريب، عن سرّ هذا الإعجاز وعن سبب خلوده، وحاولوا قصارى جهدهم لكشف النقاب عن وجهه ولمس أعتابه، فكانت أبحاثا جللًا وآراء ونظرات قيّمة، سجّلتها صحائف التاريخ في سطور مضيئة وكلمات مشرقة، كان تراثنا الثمين في هذا المضمار ورصيدنا الوفير في هذا العرض (أحسن اللّه جزاءهم).
ونحن إذ نسير على منهجهم لا نألو جهدا في سبر أغواره والتحقيق من مبانيه، جريا مع التطوّر في الأفكار والأنظار، عساه أن يكون خدمة صالحة لمباني الدين القويم والترويج من شريعة سيّد المرسلين، عليه وعلى آله الأطيبين صلوات ربّ العالمين.
غرة ربيع الأغر ١٤٠٨
[١] - يونس ٨٢: ١٠.
[٢] - الإسراء ٨٨: ١٧.