التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٠ - ٦ - رأي الإمام الرازي
ورابعها: أنّ كلّ من قال شعرا فصيحا في وصف شيء فإنّه إذا كرّره لم يكن كلامه الثاني في وصف ذلك الشيء بمنزلة كلامه الأوّل: وفي القرآن التكرار الكثير، ومع ذلك كلّ واحد منها في نهاية الفصاحة ولم يظهر التفاوت أصلًا.
وخامسها: أنّه اقتصر على إيجاب العبادات وتحريم القبائح والحثّ على مكارم الأخلاق وترك الدنيا واختيار الآخرة، وأمثالُ هذه الكلمات توجب تقليل الفصاحة.
وسادسها: أنّهم قالوا في شعر امرئ القيس: يحسن عند الطرب وذكر النساء وصفة الخيل. وشعر النابغة عند الخوف. وشعر الأعشى عند الطلب ووصف الخمر. وشعر زهير عند الرغبة والرجاء وبالجملة فكلّ شاعر يحسن كلامه في فنّ، فإنّه يضعف كلامه في غير ذلك الفنّ. أمّا القرآن فإنّه جاء فصيحا في كلّ الفنون على غاية الفصاحة:
ألا ترى أنّه سبحانه وتعالى قال في الترغيب: «فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ»[١] وقال تعالى: «وَ فِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَ تَلَذُّ الْأَعْيُنُ».[٢]
وقال في الترهيب: «أَ فَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ».[٣]
وقال: «أم أمنتم مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ. أم أمنتم».[٤]
وقال: «وَ خابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ- إلى قوله- وَ يَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ».[٥]
وقال في الزجر مالا يبلغه وهم البشر، وهو قوله: «فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ- إلى قوله- وَ مِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا».[٦]
وقال في الوعظ ما لا مزيد عليه: «أَ فَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ».[٧]
وقال في الإلهيّات: «اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَ ما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَ ما تَزْدادُ».[٨]
وسابعها: أنّ القرآن أصل العلوم كلّها، فعلم الكلام كلّه في القرآن، وعلم الفقه كلّه مأخوذ من القرآن، وكذلك علم اصول الفقه وعلم النحو واللغة، وعلم الزهد في الدنيا
[١] - السجدة ١٧: ٣٢.
[٢] - الزخرف ٧١: ٤٣.
[٣] - الإسراء ٦٨: ١٧.
[٤] - الملك ١٦: ٦٧- ١٧.
[٥] - إبراهيم ١٥: ١٤- ١٧.
[٦] - العنكبوت ٤٠: ٢٩.
[٧] - الشعراء ٢٠٥: ٢٦.
[٨] - الرعد ٨: ١٣.