التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٨ - ١٢ - تحقيق الأمير العلوي
والذي نختاره في ذلك ما عوّل عليه الجهابذةُ من أهل هذه الصناعة الذين ضربوا فيها بالنصيب الوافر، واختصّوا بالقدح المعلّى والسّهم القامر، فإنّهم عوّلوا في ذلك على خواصّ ثلاثة هي الوجه في الإعجاز.
الخاصّة الأُولى: الفصاحة في ألفاظه على معنى أنّها بريئةٌ عن التعقيد، والثَقَل، خفيفةٌ على الألسنة تجري عليها كأنّها السلسال، رِقَّةً وَصَفاءً وعذوبة وحلاوة.
الخاصّة الثانية: البلاغة في المعاني بالإضافة إلى مَضْربِ كلّ مَثَلٍ، ومَساقِ كلّ قصّة، وخَبرٍ، وفي الأوامر والنواهي، وأنواع الوعيد، ومحاسن المواعظِ، وغير ذلك ممّا اشتملت عليه العلوم القرآنيّة، فإنّها مَسُوقة على أبْلغ سياق.
الخاصّة الثالثة: جودةُ النظم وحسن السياق، فإنّك تراه فيما ذكرناه من هذه العلوم منظوما على أتمّ نظام وأحسنه وأكمله، فهذه هي الوجه في الإعجاز. والبرهانُ على ما ادّعيناه من ذلك هو أنّ الآيات التي يُذكر فيها التحدّي واردةٌ على جهة الإطلاق ليس فيها تَحدٍّ بجهةٍ دون جهةٍ، لأنّه لم يذكر فيها أنّه تحدّاهم، لا بالبلاغة، ولا بالفصاحة، ولا بجودة النظم والسياق، ولا بكونه مشتملًا على الأُمور الغيبيّة، ولا لاشتماله على الأسرار والدقائق، وتضمّنه المحاسن والعجائب، ولا أشار إلى شيء خاصٍّ يكون مقصدا للتحدّي، وإنّما قال: بمثله، وبسورة، وبعشر سُوَر على الإطلاق. ثمّ إنَّ العرب أيضا ما استفهموه عمّا يريد بتحدّيهم في ذلك، ولا قالوا ما هو المطلوب في تحدِّينا، بل سكتوا عن ذلك، فوجب أن يكون سكوتُهم عن ذلك لاوجه له إلّا لما قد عُلم من اطراد العادات المقرّرة بين أظْهرهم أنّ الأمر في ذلك معلوم أنّه لايقع إلّا بما ذكرناه من البلاغة والفصاحة وجودة السياق والنظم، فإنّ المعلوم من حال الشعراء والخطباء وأهل الرسائل والكلام الواقع في الأنديةِ المشهودَة، والمحافل المجتمعة، أنّهم إذا تحدّى بعضُهم بعضا في شعْر، أو خطبةٍ، أو رسالة فإنّه لا يتحدّاه إلّا بمجموع ما ذكرناه من هذه الأُمور الثلاثة ولم يُعَهَدْ قَطُّ في الأزمنة الماضية والآمادِ المتمادية، أنّ أحدا تحدّى أحدا منهم برقّةِ شعْره، ولا باشتماله على امور محجوبة، ولا بعدم التناقض فيها، وفي هذا دلالة كافيةٌ على أنّ