التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٩ - ١٢ - تحقيق الأمير العلوي
تعويلهم في التحدّي إنّما هو على ما ذكرناه، فيجب حمل القرآن في الآيات المطلقة عليه، وفي ذلك حصولُ ما أردناه، وتمام تقرير هذه الدلالة بإيراد الأسئلة عليها والانفصال عنها.
السؤال الأوّل منها: قد زعمتم أنّ وجه إعجاز القرآن إنّما هو الفصاحة، والبلاغة، والنظم. وحاصلُ هذه الأُمور كلّها إمّا أن تكون راجعة إلى مفردات الكلم، أو تكون راجعة إلى مركّباتها. ولا شك أنّ العرب قادرون على المفردات لا محالة، ولا شك أنَّ كلّ مَن قدَرَ على المفردات فهو قادرٌ على مركّباتها، فلو كان كما ذكرتمُوه لكان العرب قادرينَ على المعارضة، وهذا يدلُّ على أنّ وجه إعجازه ليس أمرا راجعا إلى البلاغة، والفصاحة، والنظم، وهذا هو المطلوب.
وجوابه إنّما يكون بعد تمهيد قاعدة وهو أنّ التفاوتَ بين الكتابين في الجوْدَة والكتابة إنّما يكون من جهة العلم بإحكام التأليف بين الحروف وتنزيلها على أحسن هيئة في الإيقاع، فَمنْ كان منهما أجود علما بإحكام التأليف كانت كتابته أَعْجَب، ومن كان عادما للعلم بما ذكرناه نقص إتّقانُ كتابته، فكلّ واحدٍ منهما قد أَحْرَزَ ما تحتاج إليه الكتابة من الآلات كالقلَم، والدَّواةِ، والقِرْطاس، واليدِ، وغير ذلك ممّا يكون شَرْطا في الكتابة، ولم يتميّز أحدهما عن الآخر إلّا بما ذكرناه من العلم بإحكام التأليف، وهكذا حال أهل الحرف والصناعات، فإنّهم كلّهم متمكّنون من أُصول الصناعات وما تحتاج إليها، كالصناعة للذّهَبيّات والفضّيّات، والحياكَةِ للديباجِ، فإنَّ تفاوتهم إنّما يظهر في ما ذكرناه لا غيرُ، فإذا عرفت هذا فالعربُ لا محالة قادرون على مفردات هذه الكلم الموضوعة، وقادرون على حسن التأليف لهذه الكلمات، لكنّهم غير قادرين على كلّ تأليف، فإنّ من التآليف مالا زيادة عليه في الأعجاب، وهو المعْجِزُ، ومنه ما تنقص رُتْبَتهُ عن ذلك، وليس معجزا، وعلى هذا يكون المعجزُ إنّما كان من جهة عدم العلم بإحكام تأليف هذه الكلمات، فقد ملكُوا القدرة على آحادها، وملكوا القدرة على نوع من تأليفها ممّا لم يكن معجزا، فأمّا ما كان معجزا من التأليف فلم يكونوا مالكين له، فحصل من مجموع