التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٦ - ١٢ - تحقيق الأمير العلوي
في العلوم الإسلامية واعتَنى في قَبْصه[١] واختصاره، فإنّ مَن بَعْدَه لايزال يَجتني منه الفوائد في كلّ وقت ويستنبطها من ألفاظه وصرائحه كما نرى ذلك في الكتب الأُصولية والكتب الدينية والفقهيّة، وسائر علوم الإسلام، وإذا كان الأمر كما قلناه، وجب الحكم بإعجازها وهم لايقولون به.
وأمّا ثانيا: فلأنّ قوله تعالى: «وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ»،[٢] وقوله تعالى: «فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ»،[٣] وقوله تعالى: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ»[٤] صريحة في إثبات الواحدانيّة للّه تعالى بظاهرها وصريحها، وماعدا ذلك من المعاني لا يخلو حالُه إمّا أن يستقلّ العقلُ بدَرْكه أو لايَسْتقلُّ بدركه، فإن استَقَلَّ بدَرْكه فقد أحاط به كغيره من سائر الكلام، فلا تفرقةَ بينه وبين غيره، وإن كان لا يَسْتَقلُّ العقل بدَرْكه، فذلك هو الأُمور الغيبيّة، وهي باطلة بما أسلفناه على من قال بها، فحصل من مجموع ماذكرناه هاهنا أنّه لا وجه لجعْل دلالته على الأسرار والمعاني وجها في إعجازه لأنّ غيره مشارك له في هذه الخصلة، وما وقعت فيه الشركة فلا وجه لاختصاصه وجعله وجها في كونه معجزا.
المذهب السابع: قول من زعم أنّ الوجه في إعجازه هو البلاغة، وفسّر البلاغة باشتماله على وجوه الاستعارة، والتشبيه، والفصل، والوصل، والتقديم، والتأخير، والإضمار، والإظهار، إلى غير ذلك، وهؤلاء إن أرادوا بما ذكروه أنّه صار فصيحا بالإضافة إلى ألفاظه، وبليغا بالإضافة إلى معانيه، ومختصّا بالنظم الباهر، فهذا جيِّدٌ لا غُبارَ عليه كما سنوضّحه عند ذكر المختار، وإن أرادوا أنّه بليغ بالإضافة إلى معانيه دون ألفاظه، فهو خطأ، فإنّه صار معجزا باعتبار ألفاظه ومعانيه جميعا، وغالبُ ظَنّي أنّ هذا المذهب يُحكى عن أبيعيسى الرماني.
المذهب الثامن: قول من زعم أنّ الوجه في إعجازه هو النظْمُ، وأراد أنّ نظمَه وتأليفه هو الوجهُ الذي تميّزَ به من بين سائر الكلام فهؤلاء أيضا يُقال لهم: ماتريدون باختصاصه
[١] - في جمعه.
[٢] - البقرة ١٦٣: ٢.
[٣] - محمد ١٩: ٤٧.
[٤] - الإخلاص ١: ١١٢.