التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٠٢ - ١٢ - تحقيق الأمير العلوي
وجوابه من وجهين:
أمّا أوّلًا: فلأنّا لا نسلّم أنّ الرسول صلى الله عليه و آله تَوَفّاهُ اللّه تعالى ولم يكن القرآن مجموعا، بل ماماتعليه السلام إلّا بعد أن جَمَعه جبْريلُ، وهذه الرواية موضوعة مختلقةٌ لا نسَلّمها، ولهذا قال لمّا نَزَل صَدْرُ سورة بَراءَة: «أثبتوها في آخِرِ سُورَة الأَنفال» فما قالوه منكَرٌ ضعيفٌ.
وأمّا ثانيا: فلأنّ الاختلافَ إنّما وقع في كتبِ القرآن وجمْعه في الدّفاتر، فأمّا جَمْعُه فممّا لم يقع فيه تردّد أنّه كان في أيّام الرّسول صلى الله عليه و آله وإنّما كان مجموعا في صدُور الرجال، فأمّا كَتْبه فلعلّه إنّما كان بعد الرسول صلى الله عليه و آله ولهذا فإنّ المصاحف قد كانت كثُرت بعد الرسول صلى الله عليه و آله فلمّا وقع فيها الخلافُ، فَعَلَ «عُثمانُ» في خلافته ما فَعَلَ مِنْ مَحوِها كلّها، وكَتْبِه مصحَفَه الذي كتَبَه.
السؤال الرابع: هو أنّ ابنمسعود رضىاللهعنه اشتبه عليه الفاتحة والمعوّذتان، هل هنّ من القرآن أو لا، فلو كان الوجه في الإعجاز هو الفصاحة لكان لا يلتبس عليه شيءٌ من ذلك.
وجوابه من وجهين:
أمّا أوّلًا: فلأنّ ابنمسعود لم يُنكر كونها نزلت من اللوح المحفوظ، وإنّ جبريل أتى بها من السماء، فهنّ قرآنٌ بهذه المعاني، وإنّما أنكَر كتبها في المصاحف وقال هنّ وارداتٌ على جهة التبرّك والاستعاذة، فلهذا كنّ قرآنا بما ذكرناه من المعاني، ولم يكنَّ قرآنا لورودها لهذا المقصد الخاصّ، وهذا في التحقيق يؤولُ إلى العبادة.
والمقاصد المعنوية متفقٌ عليها كماترى.
وأمّا ثانيا: فلأنّ هذا رَأيٌ لابنمسعود فلا يكون مقبولًا، والحقُّ في المسألة واحدٌ، فخطؤُه فيها كخطأ غيره ممّن خالَفَ دلالةً قاطعةً، ولنقتصر على هذا القدر من الأسئلة ففيه كفاية لغرضنا، واستقصاءُ الكلام على مثل هذه القاعدة إنّما يليق بالمباحث الكلاميّة والمقاصد الدينيّة، وإنْ نَفَّس اللّهُ لنا في المُهْلَة، وتراخَتْ مُدَّة الإمهال، ألَّفْنا كتابا نذكر فيه كيفيّة دلالة المعجز على صدق مَنْ ظهر على يده، ونُجيبُ فيه عن شكوك المخالفين