التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٧ - ١٢ - تحقيق الأمير العلوي
بالنظم، فإن عَنَيْتُم به أنّ نَظمه هو المعجزُ من غير أن يكون بليغا في معانيه، ولا فصيحا في ألفاظه، فهو خطأ، فإنّ الإعجاز شاملٌ له بالإضافة إلى كلا الأمرين جميعا، وإن عَنيْتُمْ أنّه مختصٌّ بالبلاغة والفصاحة، خلا أنّ اختصاصه بالنظم أعجبُ وأدخَلُ، فلهذا كان الوجه في إعجازه فهذا خطأ، فإنّ مثل هذا لا يُدْركُ بالعقل، أعني تميُّزَه بحسن النظم عن حسن البلاغة والفصاحة، وأيضا فإنَّ ماذكروه تحكُّمٌ لا مُستَنَد له عقلًا ولا نقلًا، وأيضا فإنّا نقولُ:
هلْ يكون النظمُ وجها في الإعجاز مع ضمّ البلاغة والفصاحة إليه، أو يكون وجها من دونهما، فإن قالوا بالأوّل فهو جَيِّدٌ، ولكنْ لِمَ قَصَرُوه على النظم وحْدَه ولم يضمّوهما إليه، وإن قالوا: إنّه يكون منفردا بالإعجاز من دونهما، فهذا خطأ أيضا، فإنّ نظم القرآن لو انفرد عن بلاغته وفصاحته لم يكن معجزا بحال.
المذهب التاسع: مذهب من قال: إنّ وجهَ إعجازه إنّما هو مجموع هذه الأُمور كلّها، فلا قولَ من هذه الأقاويل إلّا هو مختصّ به، فلا جَرَم جعلنا الوجه في إعجازه مجموعها كلّها، وهذا فاسدٌ، فإنّا قد أبطلنا رأيَ أهل الصّرفة وزَيّفنا كلامهم، فلا وجه لعدّه من وجوه الإعجاز، وهكذا، فإنّا قد أبطلنا قول من زعم أنّ الوجه في إعجازه اشتماله على الإخبار بالأُمور الغيبيّة، وأبطلنا قول أهل الأُسلوب وغيره من سائر الأقاويل، فلايجوز أن تكون معدودة في وجوه الإعجاز، لأنّ الأُمور الباطلة لايجوزُ أن تكون عِلَلًا للأحكام الصحيحة، ومن وجهٍ ثانٍ وهو أنّ الفصاحة والبلاغة إذا كانتا حاصلتين فيه فهما كافيتان في الإعجاز، فلا وجه لعدّ غيرهما معهما.
المذهب العاشر: أن يكون الوجه في إعجازه إنّما هو ما تضمّنه من المزايا الظاهرة والبدائع الرائقة في الفواتح، والمقاصد، والخواتيم في كلّ سورة، وفي مبادئ الآيات، وفواصلها، وهذا هو الوجه السديدُ في وجه الإعجاز للقرآن كما سنوضّح القول فيه بمعونة اللّه تعالى. فهذا ما أردنا ذكره من المذاهب في الوجه الذي لأجله صار القرآن معجزا للخلق كلّهم.
المبحث الثالث: في بيان المختار من هذه الأقاويل.