التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٢٦
و أعلام حبره، تنثال ارسالا على الناظر البصير، و تزدحم أسرابا على الناقد النحرير.
و أنا أضرب لك سورة الكوثر و هي أقصر السور- مثالا أنصبه بين يديك و أجعله نصب عينيك، فأنت أكيس الأكياس، و معك نهية[١] كشعلة المقباس، تكفيك الرمزة و إن كانت خفيّة، و التنبيهة و إن كانت غير جليّة، فكيف إذا ذللت بأنور من وضح الفلق، و أشهر من شية[٢] الأبلق.
أقول و باللّه التوفيق: ورد على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عن عدوّ اللّه العاص بن وائل[٣] ما يهدم مقاله، و يهزم محاله[٤]، و ينفّس عن رسوله، و ينيله نهاية سؤله، فأوحى إليه سورة على صفة إيجاز و اختصار، و ذلك ثلاث آيات قصار، جمع فيها ما لم يكن ليجتمع لأحد من فرسان الكلام، الذين يخطمونه بالخطام[٥] و يقودونه بالزمام، كسحبان[٦] و ابن عجلان، و أضرابهما من الخطباء المصاقع و البلغاء البواقع[٧] الذين تفسّحت في هذا الباب خطاهم، و تنفّس في
[١] النّهية: العقل.
[٢] الشّية: كلّ لون يخالف معظم لون الفرس و غيره، و أصله من الوشي.
[٣] العاص بن وائل بن هاشم السهمي، من قريش، أحد الحكام في الجاهلية، كان نديما لهشام بن المغيرة و أدرك الإسلام، و ظلّ على الشرك و يعدّ من المستهزئين و من الزنادقة الذين ماتوا كفارا و ثنيين، و هو والد عمرو بن العاص صاحب معاوية.« الأعلام ٣: ٢٤٧».
[٤] يقال: رجل يماحل: أي يدافع و يجادل، من المحال- بالكسر- و هو الكيد، و قيل: المكر، و قيل: القوة و الشدة.
[٥] الخطام: الزمام. و خطمت البعير: زممته.
[٦] سحبان بن زفر بن اياس الوائلي، من باهلة، خطيب يضرب به المثل في البيان، يقال:« أخطب من سحبان» و« أفصح من سحبان» اشتهر في الجاهلية و عاش زمنا في الإسلام، و كان إذا خطب يسيل عرقا و لا يعيد كلمة، أسلم في زمن النبي و لم يجتمع به. انظر« الإصابة ٢: ١٠٩/ ٣٦٦٣، بلوغ الارب ٣: ١٥٦، مجمع الأمثال ١: ٢٤٩، الأعلام ٣: ٧٩».
[٧] الباقعة: الرجل الداهية.