التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٢٤
ذلك أنّ الشعر كلام ذو وزن و قريّ[١]، و قافية و رويّ، أكثره تمويهات و تخاييل، و أكاذيب و أباطيل، و من ثمّ سمّوه سحرا، و زعموا أن لكل شاعر جنّيّا، و أنّه معه رئيّا، و أنّ ذلك الجنّي يخطره بجنانه، و يلقّنه إيّاه و يلقيه على لسانه.
و الخطب و الرسائل لا يمسّ طنب القريض أطنابها، و لا تقرع يده أبوابها، و السورة أبعد شوطا منها في التميّز، و أعلى فوقا في المباينة و التحيّز، بديباجتها الخاصّة و ذوقها، و ندائها على أن لا منظوم بطوقها، و على أنّها ليست من القريحة، المعتصر لها ثرى السجيحة[٢]، المستعان فيه بالرويّة و الفكر، المستملى من لسان الزّكن[٣] و الحجر[٤]، و أنّ مثلها معه مثل الحيوان الذي هو تسوية اللّه و تقديره، مع التماثيل التي هي نقش المصوّر و تصويره، عليها ضياء الجلالة الربّانية، و سيمياء[٥] الكتب السماوية، و ابّهة المسطور في اللّوح المنزل في اللّوح[٦]، و آئين[٧]
[١] قال الزمخشري و غيره: أقراء الشعر: قوافيه التي يختم بها، كأقراء الطهر التي ينقطع عندها، الواحد قرء، و قرء، و قريّ، لأنّها مقاطع الأبيات و حدودها.
[٢] السجيحة: الطبيعة.
[٣] الزكن و الإزكان: الفطنة و الحدس الصادق.
[٤] الحجر: العقل و اللب، لإمساكه و منعه و إحاطته بالتمييز، و في التنزيل: هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ( الفجر: ٥).
[٥] السومة و السيمة و السيماء و السيمياء: العلامة.
[٦] اللّوح الأول- بالفتح-: هو اللّوح المحفوظ، و الثاني- بالضم-: الهواء.« لسان العرب- لوح- ٢: ٥٨٥»
[٧] آئين: كلمة فارسية بمعنى الزينة، استعملها الجاحظ في البخلاء في قصة محمّد بن أبي المؤمل فيما حكاه عن لسانه: و كانوا يعلمون أن إحضار الجدي إنّما هو شيء من آئين الموائد الرفيعة.
و في تاريخ العتبي عند شرح هذا البيت في رثاء الصاحب بن عباد:
|
لم يبق للجود رسم منذ بنت و لا |
للسؤدد اسم و لا للمجد آئين |
|