التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٢٣
عجزهم أن يشتملوا على الغيظ و الضجر، و قرينة تقصيرهم أن يقصدوه بالنكاية و الضرر، و أن يقشوروه[١] بالعصا و يرجموه بالحصا.
و الذي طولبوا به فعجزوا عنه هو الإتيان بسورة لو كتبت بين السور، لم تكن مشخلبة[٢] بين الدرر، و لكن كواحدة منهنّ في حسنها و بهائها، و نورها و ضيائها، و بيانها الباهر، و ديباجها الفاخر، حتّى لو عرضت على صيارفة المنطق و نقّاده، المميّز بين زيوفه و جياده، لقالوا هي منها بالقرب، لم يقولوا ليس عليها ابّهة دار الضرب، و الجهة التي أتاهم العجز عنها امتياز السورة عن هذه الأجناس، التي تتقلّب في أيدي الناس، من خطب يحبّرونها[٣]، و قصائد يسيرونها، و رسائل يسطرونها، كما أنّ كل واحد من هذه الأجناس له حيّز، و بعضها عن بعض متميّز، و كل مستبدّ بطريق خاصّ إليه ينتحي و إيّاه ينتهج، و مثال و منوال عليه يحتذي و عليه ينتسج، فلو تحدّي الرجل بقصيدة شاعرة فجاء بخطبة باهرة، أو رسالة نادرة، أو تحدّي بخطبة أو رسالة غرّاء، فعارض بقصيدة حذّاء[٤]، لم يكن على شاكلة التحدّي عاملا، و نسب إلى قلّة التهدّي عاجلا، و تمثّل له بقوله:
|
شكونا إليه خراب السواد |
فحرّم فينا لحوم البقر |
|
|
فكنّا كما قال من قبلنا |
اريها السّها[٥] و تريني القمر[٦] |
|
[١] قشوره بالعصا: ضربه.
[٢] قال الليث: مشخلبة كلمة عراقية ليس على بنائها شيء من العربية، و هي تتخذ من الليف و الخرز أمثال الحلي.
[٣] يقال: حبّرت الشيء تحبيرا إذا حسّنته.
[٤] الحذو: من أجزاء القافية، حركة الحرف الذي قبل الردف، يجوز ضمته مع كسرته و لا يجوز مع الفتح غيره، قاله ابن منظور عن ابن سيده.
[٥] السّها: كويكب صغير خفيّ الضوء في بنات نعش الكبرى، و الناس يمتحنون به أبصارهم.
[٦] مثل سائر، ذكره الميداني في« مجمع الأمثال ١: ٢٩١/ ١٥٤٥» تحت عنوان« أريها استها و تريني القمر» و ذكر قصته، و قال: و بعضهم يرويه« أريها السّها و تريني القمر»، يضرب لمن يغالط فيما لا يخفى.